بقلم: حمزة ابراهيمي
بينما كانت الجماهير الكروية منشغلة بخسارة المنتخب الوطني في نهائي كأس إفريقيا للأمم، و احتلت العقوبات التي سلطها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم (الكاف) على منتخبي المغرب والسنغال صدارة التحليلات والتعليقات والقراءات المتضاربة في وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي، كانت الأرض في الشمال والغرب تهتز تحت وطأة فيضانات غير مسبوقة.
القصر الكبير، سهل الغرب، ووديان سبو واللوكوس، ذكرتنا بقسوة الطبيعة وبالكلفة الباهظة للإهمال في تدبير الموارد المائية.
ليست عقوبة الكاف، ولا أخطاء اللاعبين، ولا اختيارات الركراكي، ولا حتى تصرفات جماهير ومدرب السنغال، هي الأزمة الحقيقية. الأزمة الحقيقية هي واقع مائي مرير حيث سدود مهددة بالامتلاء، تصريفات طارئة، أحياء غارقة، ومنازل ومزارع وممتلكات في مهب الخطر.
هذا الواقع الصامت يفرض سؤالا جوهريا، لماذا تستنزف طاقات و اهتمام الرأي العام في عناوين هامشية، كعقوبات الكاف، بينما تهدد الطبيعة حياة الناس وأرزاقهم؟
ورغم قسوة المشهد بالقصر الكبير خلال الثلاثة أيام الماضية، لمع وجه المغرب الحقيقي وسط الأزمة. هبة شعبية واسعة، و تضامن جسد روح المسؤولية والتكاتف في أبهى تجلياته الوطنية. المغاربة لم ينتظروا قرارات مؤجلة كما هو وقع لجماهير الكورة مع الكاف، بل انخرطوا فورا في مشهد ملحمي في عمليات إجلاء، إيواء المتضررين، حماية الأطفال والمسنين، ومواساة المنكوبين. مشاهد أكدت أن القوة الحقيقية للمجتمع تكمن في وحدته وتضامنه.
وإلى جانب هذا التضامن الشعبي، برز التدخل الحاسم لمؤسسات الدولة السيادية، حيث ساهمت القوات المسلحة الملكية، ورجال الدرك الملكي، والأمن الوطني، إلى جانب مختلف السلطات، في تسخير العتاد والوسائل اللوجستيكية لإنقاذ الأرواح والحد من الخسائر. فمشاهد أرتال الشاحنات والمعدات الثقيلة وهي في طريقها إلى القصر الكبير لإغاثة المتضررين، بأوامر وتوجيهات سامية من جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، تبعث على الفخر والاعتزاز، ورسخت الإحساس بالانتماء إلى وطن لا يتخلى عن أبنائه في لحظات الشدة. هنا تتجلى الوطنية الصادقة، لا في الهتاف العابر ولا في الجدل الافتراضي، بل في الفعل الميداني، وفي التحام الشعب ومؤسساته حول أولوية واحدة تتمحور حول حماية الإنسان وكرامته.
التوقعات المستقبلية التي تهم التحولات المناخية و تغير في أنماط الطقس عبر تزايد حالات الفيضانات خلال السنوات المقبلة، هي فعليا تذكير صارخ بضرورة ترتيب الأولويات و ان الأمر لا يحتمل المماطلة. و اولها الاستثمار في السدود، وإنجاز أنظمة فعالة لتصريف فائض المياه، و تسريع انجاز الطرق السيارة المائية بين الاحواض المائية والتخطيط الاستباقي لحماية المواطنين والأراضي، هذه الخطوات ليست خيارات ترفية، بل واجب وطني. أما تبديد الطاقات في سباقات إعلامية، إما بالاحتفاء المبالغ او الغضب الفائض حول خسارة مباراة في كرة القدم و ان كانت نهائية، فليس سوى مضيعة للوقت وفشلا في أداء الواجب الأسمى تجاه هذا الوطن.
قد تكون خسارة نهائي الكأس موجعة على المستوى الشعوري الانفعالي، لكن التضامن الذي أظهرته ساكنة القصر الكبير هو درس عملي بليغ كون المغرب قادر على مواجهة الأزمات متى وضعت الأولويات الصحيحة في صلب السياسات العمومية.
ثم إن زمن مباراة كرة القدم لا يتجاوز تسعين دقيقة، ولا ينبغي لمشاعر الحماس والشغف أن تتعدى هذا الإطار الزمني. لا مبرر لأن يمتد أثر الفوز أو الخسارة إلى تعطيل توازن الحياة العادية. فـكرة القدم، في نهاية المطاف، مجرد جلد منفوخ بالهواء؛ لا تطعم جائعا، ولا تداوي مريضا، ولا تؤوي مشرّدا شردته الفيضانات.






