في صلاة القيام قرأ الامام قولع الله تعالى *سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق*

بقلم الدكتور منير هدوبة
عدت إلى البيت وفتحت المصحف مع اني احفظ الآية عن ظهر قبل لكن لم افكر يوما في أن أجد لها تفسيرا نفسيا واقعيا يستشرف حياة نفسيا أكثر التزاما في زمن الاضطرابات الانفعالية
في لحظة تأمل عميقةتدرك أن القران يلفت انتباه الانسان الى رحلة داخلية عميقة يعيشها كل واحدمنا في مسار حياته فالقضية ليست مجرد نظر في الكون ولا مجرد استدلال نظري وانما تجربة فعليا واقعيا يعيشها الإنسان في داخله حيث تتحول النفس نفسها إلى مجال من مجالات الاكتشاف والمعرفة والاستكناه
حين يلتفت الإنسان إلى داخله وينظر في عمقه يكتشف ان في هذه النفس نظاما دقيقا من المشاعر والأحاسيس وبناءا شامخا من الأفكار والدوافع التي لا يمكن اختزالها في مجرد تفاعلات عابرة بل تظهر وكأنها جزء من بنية أعمق تحمل معنى وغاية ولهذا يخاطبك القرآن وكأنه يدعوك إلى أن تنظر في نفسك قبل أن تنظر في أي شيء آخر لأنك حين تنظر بصدق إلى ما يجري في داخلك ستجد إشارات كثيرة تقودك إلى التأمل في حقيقتك وفي سر هذا الوجود
تأمل مثلا ذلك الصوت الداخلي الذي يرافقك في اختياراتك ويجعلك تميز بين ما يطمئن له قلبك وما تشعر تجاهه بالاضطراب هذا المعنى يقترب مما يشير إليه القرآن حين يقول “ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها” فداخل هذه النفس قدرة على التمييز وكأنها تحمل بوصلة أخلاقية قيمية خفية توجه الإنسان حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه وحده بدون اي موجه
وحين تمر بتجربة صعبة في حياتك ثم تجلس مع نفسك بعد ذلك وتحاول أن تفهم ما حدث تجد أن تلك التجربة لم تكن مجرد حدث عابر بل أصبحت جزءا من وعيك ومن طريقة فهمك للحياة وهنا يظهر معنى الآية بطريقة أقرب إلى التجربة النفسية لأن الإنسان مع تراكم تجاربه يبدأ يلاحظ أن حياته نفسها تتحول إلى سلسلة من الآيات التي تكشف له شيئافشيئا عن المعنى الذي يبحث عنه
وفي لحظات الصمت أو المراجعة الداخلية يشعر الإنسان أحيانا بأن في داخله حاجة عميقة إلى الطمأنينة وإلى المعنى وإلى الانسجام مع ذاته وهذا الشعور ليس أمرا طارئا بل هو جزء من البنية الفطرية للنفس ولذلك يربط القرآن بين معرفة النفس وبين الطمأنينة حين يقول *ألا بذكر الله تطمئن القلوب *لأن القلب حين يجد المعنى الذي ينسجم مع فطرته يشعر بنوع من الاستقرار الداخلي وكأنه عاد إلى موضعه الطبيعي واستقر على فطرة الله التي فطر الناس عليها
ومن اللافت أن القرآن جاء بهذه الآيات بصيغة المستقبل سنريهم وكأن الأمر عملية تمتد مع الزمن فكل مرحلة من حياة الإنسان تضيف طبقة جديدة من الفهم وكل تجربة يمر بها قد تصبح نافذة يرى من خلالها شيئا لم يكن يراه من قبل ولهذا لا تتكشف معاني الحياة دفعة واحدة بل تظهر شيئا فشيئا حتى يصل الإنسان إلى لحظة يشعر فيها أن الصورة بدأت تتضح وأن تلك الإشارات التي رآها في نفسه وفي العالم من حوله تتجمع لتدل على حقيقة واحدة
وحين تنظر في نفسك بصدق تكتشف أنك لست مجرد كائن يعيش ليأكل ويعمل ويمضي أيامه فقط بل تجد في داخلك ميلا إلى الخير وإحساسا بالعدل وتطلعا إلى معنى أوسع من حدود المصلحة المباشرة وهذا ما يذكر به القرآن حين يقول* سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم* لأن هذه النفس نفسها تحمل في أعماقها إشارات تدعوك إلى أن تتأمل في مصدر هذا النظام العجيب الذي يجمع بين العقل والشعور والضمير
ولهذا يصبح النظر في النفس رحلة معرفية لا تقل عمقا عن النظر في الكون لأنك كلما اقتربت من فهم نفسك أدركت أن هذه البنية النفسية الدقيقة ليست صدفة عابرة بل جزء من نظام أكبر يتكشف للإنسان تدريجيا حتى يصل إلى تلك اللحظة التي يتحدث عنها القرآن حتى يتبين لهم أنه الحق وكأن الحقيقة في النهاية لا تظهر فقط في البرهان العقلي بل تتجلى أيضا في التجربة الداخلية التي يعيشها الإنسان حين يكتشف أن في نفسه آيات تقوده إلى المعنى الذي كان يبحث عنه طوال الطريق
وحين يمعن الإنسان النظر في نفسه يدرك ان هذا التأمل ليس مجرد تمرين فكر ولا لحظة عابرة من التامل الوجداني بل هو جزء أصيل من بناء العقيدة ومن الطريق الذي يتشكل به وعي الإنسان بربه لأن النفس هي المجال الذي يقع فيه التكليف وفيها تتجلى معاني الاختيار والمسؤولية ومن داخلها تنبع النية التي تعطي للعبادات معناها الحقيقي ومراد الله منها ولهذا يصبح النظر في النفس نوعا من الفقه في الدين إذ أن فقه النفس فقه خاص وهو فرص عين على كل فرد حتى لا تغيب نفسه دون وعي منه قال تعالى قد أ*فلح من زكاها وقد خاب من دساها* إذ إن الإنسان كلما ازداد معرفة بحقيقة نفسه ازداد فهما لمعنى العبودية التي خلق من أجلها لأن العبادات في جوهرها ليست حركات ظاهرة فحسب بل هي قبل ذلك حالات يعيشها القلب ويتوجه بها الإنسان إلى ربه ومن هنا يتضح ان اصلاح النفس وصلاحهاوفهم حركتها الداخلية جزء من أساس العقيدة الصحيحة لأن هذه النفس التي تحمل القدرة على الاختيار هي نفسها التي تتوجه إلى الله بالطاعة أو تنصرف عنه بالغفلة ولذلك كان القرآن الكريم يوقظ الإنسسان باستمرار إلى هذا البعد الداخلي حتى يدرك أن طريق الهداية يبدأ من تلك اللحظة التي يلتفت فيها إلى نفسه فيفهم حقيقتها ويستحضر مسؤوليته بين يدي الله الذي خلق هذه النفس وسواها وجعلها موضع الامتحان في هذه الحياة
قد تكون نظرتي النفسية لاهذه الآية الكريمة سطحية تحتاج تعمقا وتحليلا اكبر لكن حاولت من خلالها أن أصل إلى فكرة مهمة وهي أن التفسير النفسي الآيات لا يقل أهمية حيث يضع النفس في سياقها الواقع

Share this:

  • Related Posts

    الرسالة الملكية إلى العلماء بين الاستمرارية على نهج الأسلاف والوفاء لصاحب الرسالة الأعظم وجد الأشراف (3)

    د. عبد اللطيف البغيل ، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة.. سبق أن بينا في المقالة الأولى من هذه السلسلة أن الرسالة الملكية إلى العلماء تعد استنهاضا…

    عزيز رباح: المسلمون الأكثر تبرعًا في المهجر.. بريطانيا نموذجا

    في زمنٍ تنتشر فيه الأنانية الفردية ويهيمن البعد المادي على الحياة  وتحارب القيم والأسرة، يكشف تقرير بريطاني حديث أعدّته مؤسسة Equi بعنوان “بناء بريطانيا: المسلمون البريطانيون يردّون الجميل” حقيقة لافتة؛…

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *