د/ خالد الإدريسي ” في ضرورة التفريق بين ما هو أكاديمي و ما هو مهني”
يتابع الزميل المحامي عمر أزوكار أمام مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء بناء على ارتكابه مخالفات مهنية تتعلق بمخالفة النصوص القانونية و التنظيمية و قواعد المهنة و أعرافها ، و الإخلال بالمروءة و الشرف ، و الإخلال بمبادئ الاستقلال و التجرد و النزاهة و الكرامة و ما تقتضيه الأخلاق الحميدة ، و أن هذا الأمر تسبب في الإضرار بالمهنة حسب ما ورد في الاستدعاء للمثول أمام المجلس التأديبي . و قد كانت هذه المتابعة بناء على تصريحات أدلى بها في مداخلة في إطار ندوة حول تحرير العقود العقارية ، و استعمل فيها عبارات يمكن وصفها بالجريئة إلى درجة اعتبرت من لدن مجلس هيئة المحامين بالدار البيضاء على أنها تمس بالكيان المهني و تنتقص منه ، لا سيما في المجال المتعلق بتحرير العقود من طرف المحامين .
لذلك و من أجل تناول هذا الموضوع بشكل نزيه و موضوعي و في إطار من الحياد لابد من الوقوف على نقطة جد مهمة وهو أنه ينبغي التفريق دائما بين ما هو مهني و بين ما هو أكاديمي ، فالتطرق إلى موضوع أكاديمي سواء داخل مدرج كلية معينة أو في إطار ندوة منظمة يجعل الباحث الأكاديمي حر في ما يدلي به من أفكار و أراء ، لأن الأساس الأكاديمي يرتبط أساسا بالحرية و الموضوعية و النزاهة ، و لذلك نتحدث داخل الجامعات عن الحرم الجامعي ، الذي يجعل الأستاذ أو الباحث يتحدث عن أمور حساسة بناء على معطيات و معايير موضوعية ربما قد تمس النظام السياسي و الديني و نعلم جميعا أن هذين الأمرين يعتبران من النظام العام الذي لا تتسامح فيه الدولة ، و يبقى مع ذلك الاكاديمي محميا من أي متابعة أو مسؤولية لأنه كان يرتدي حين إدلائه بآرائه عباءة الأكاديمي ، هذه الصفة التي تتبعه أينما حل أو ارتحل سواء في ندوة أو يوم دراسي أو أي نشاط ثقافي علمي أكاديمي . و لذلك فمتابعة الزميل عمر أزوكار بناء على رأيه في ندوة علمية وهو يرتدي عباءة الأكاديمي ، هو نوع من الجهل بالتفرقة بين الرأي المهني و الرأي الأكاديمي الذي يتيح التعبير عن الآراء بكل حرية و موضوعية .
و من جهة ثانية فإن المحاماة كما يؤكد على ذلك الفصل الأول من قانون المحاماة هي مهنة حرة مستقلة ، و هذه الحرية و الإستقلالية لصيقة بعمل المحامي ، و صفة يجب أن يتمتع بها أثناء ممارسة حقوقه و الإلتزام بواجباته ، لا سيما أن عمله يرتبط بالدفاع و مؤازرة المواطنين في كل ما يمكن أن يمس بحقوقهم و حرياتهم الأساسية . و بالتالي فهذه الحرية تتطلب قدرا أوسع من الجرأة في التعبير و الرأي من أجل ممارسة واجب الدفاع الذي تفرضه الرسالة السامية لمهنة المحاماة التي تعتبر ملجأ المستضعفين و الأمل الذي يتشبت به كل من ضاعت حقوقه و تضررت مصالحه . كما أن قانون المهنة يؤكد على حصانة المحامي و لا سيما فيما يتعلق بالأقوال التي قد تصدر عن المحامي و تتضمن سب و قذف أثناء المرافعات الشفوية و المذكرات المكتوبة ، ذلك أن المادة 58 من قانون المهنة تمنع إعتقال المحامي إذا صدر عنه سب أو قذف أثاء قيامه بعمله ، و هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن حرية الرأي و التعبير واسعة لدى المحامي ، و هذا نقاش فقط من أجل القياس من باب أولى ، لأن الدكتور عمر أزوكار لم يصدر عنه أي سب أو قذف من الناحية المبدئية و إنما مجرد انطباعات و استنتاجات واقعية وقانونية في إطار الموضوع الذي كان يناقشه وهو تحرير العقود العقارية ، و من ناحية ثانية فإن الزميل المحترم لم يكن يتحدث بصفته محاميا أو في إطار مرافعة ، و لكنه كان يتحدث بصفته أستاذا جامعي و أكاديمي ، و الصفة الأكاديمية تجعل هناك واجب أخلاقي يفرض الموضوعية وقول ما يجب قوله بكل حرية من دون مراعاة أي حسابات دينية أو سياسية فما بالك بالحسابات المهنية التي تقع في موقع أدنى .
و بالتأمل فيما صرح به الدكتور عمر أزوكار أثناء هذه المداخلة ، سيتيبن على أنها عبارات عادية ولو أنها جاءت في صيغ كلمات و جمل جريئة و صادمة ، و صداميتها ليس لأن الأستاذ المحترم بالغ في القول و لكن لأن هذه هي الحقيقة و هذا هو الواقع . لأنه في بعض الأحيان قد تحاضر و تناظر لساعات و لن يكون لكلماتك الوقع الذي يكون لعبارة بالعامية تكون واقعية وحقيقية و نابعة من القلب ، و هذا ربما هو ما أراد الأستاذ الوصول إليه ، ألا وهو تقريب الفكرة إلى الذهن باختصار الزمن و الكلمة . كما أن هذه الجرأة مستندة على أساس سليم ، لأن الأمر أصبح يتطلب أكثر من أي وقت آخر دق ناقوس الخطر في هذا المجال بالضبط و هو مجال تحرير العقود ، الذي يبقى شئنا أم أبينا ليس من الإختصاصات الأصيلة للمحامي الذي يعتبر عمله الرئيسي هو النيابة و المؤازرة و الاستشارة ، كما أنه من جهة المسؤولية فإنه إذا كان المحامي ملزما بوسيلة و ببذل الجهد الكافي في إختصاصاته الأصيلة ، فإنه في مجال تحرير العقود ملزم بنتيجة و هذا هو الأمر الخطير الذي يتناساه الكثير من الزملاء الذين يحررون هذه العقود مقابل مبالغ زهيدة ، خاصة أن هذا الإلتزام بنتيجة في حالة خرقه أو الإخلال به قد يؤدي إلى متابعة محرره بعقوبة جنائية ولو أن العقود التي يحررها المحامي تبقى غير رسمية و إنما فقط عرفية ، و هذه مفارقة كبرى ، لأنه كيف يعقل أن يتم تخصيص عقوبة جنائية في التزوير الذي قد يصدر عن محام وهو بصدد تحرير عقد عرفي ثابت التاريخ ، رغم أن العقوبة بالنسبة للأشخاص العاديين تكون جنحية فقط ، ثم كيف يعقل أن يتم تسوية المحامي بالموثق و العدل مع العلم أن هؤلاء يحررون عقودا رسمية و ليس عرفية . لنصل إلى خلاصة أساسية هي أن هذا الطعم يجب أن لا يبتلعه المحامي و أن يحتاط منه ، لأن القصد الواضح منه هو جعل المحامين محرري العقود مهددين دائما بالمتابعة ، لأنهم غير مختصين في تحرير العقود إلا من رحم ربك ، و أيضا لأن العقوبة المقررة جد قاسية .
و هذا النقاش ، يحيلنا على نقاش آخر مرتبط بهذا الموضوع و لا يقل أهمية ، و هو المتعلق بتوسيع إختصاصات و مهام المحامي الذي يعتبر مطلبا دائما و مستمرا من طرف المحامين ، فتوسيع الإختصاصات في نظري يجب أن يرتبط بما له علاقة بالمهام الأصيلة للمحامي و هي النيابة و المؤازرة و تقديم الإستشارات القانونية ، و هذا المجال كاف لوحده ليضمن المحامي الاشتغال بكرامة ، و ذلك من خلال , على سبيل المثال لا الحصر ، إلزام الدولة بتكليف المحامين بالنيابة عنها في المساطر التي تكون طرفا فيها ، و إلزام الشركات أيضا بهذا الأمر حينما يفوق رأسمالها مبلغ معين مثلما هو الأمر لدى الخبراء المحاسبين ، و مهام أخرى من نفس القبيل . أما بالنسبة لتحرير العقود فإنها ينبغي أن تبقى نشاطا ثانويا مادام هناك مهن أخرى تمارس هذا الإختصاص بصفة أصيلة لا سيما الموثقين و العدول ، ثم لأن المسؤولية المترتبة عنها جد خطيرة ، و لذلك ينبغي الاحتياط ما أمكن و عدم قبول تحرير العقود من طرف المحامي إلا بعد التأكد من التمكن من أدوات التحرير و أيضا عدم وجود أي خطورة مترتبة عن هذا التحرير قد تؤدي إلى توقيع عقوبات جنائية و مدنية و تأديبية .
لذلك أظن أنه بدل إستدعاء الدكتور عمر أزوكار للمثول أمام المجلس التأديبي ، فإنه كان أولى أن يتم أخد ما قاله بعين الاعتبار و أن يتم فتح نقاش واسع و جدي حول كيفية حل معضلة التكوين و التكوين المستمر ، لأن ندوات التمرين غير كافية لتلقين المحامين الشباب أدوات و تقنيات عمل المحامي سواء كان في إطار مهام الدفاع أو الاستشارة أو تحرير العقود ، مثلما أيضا لن تفيد المبادرات المتعلقة بالتكوين المستمر لعدم جديتها و لاتصافها بالمرحلية و الموسمية . بل لماذا لا يتم فتح نقاش جدي و عميق حول ضرورة إنشاء المركز الوطني للتكوين الذي مازال يراوح مكانه منذ صدور قانون المحاماة لسنة 1993 و ليس هناك أي جدية لتفعيله من طرف الوزارة الوصية التي تشتغل بكل أريحية في ظل عدم وجود أي ضغط من طرف المؤسسات المهنية من جمعية و هيئات . انه بدل استدعاء الدكتور عمر ازوكار كمتهم للدفاع عن نفسه أمام المجلس التأديبي , فانه كان أحرى أن يتم استدعائه في حفل تكريمي من اجل تكريمه و تهنئته على مساره العلمي و المهني المشرف , و جعله نموذج و قدوة يحتدي بها كل محام يريد أن ينجح في مسيرته المهنية . و انه بدل استدعاء الزميل الذي لا يبخل بعلمه و تجربته , و الذي أصبح بحكم كفاءته و صبره محاميا بالمغرب و فرنسا و كندا , كان أحرى أن يتم استدعاء سماسرة المحاكم و المفسدين و محتكري الملفات للبحث معهم و استئصالهم من المهنة التي أصبح الكثير من المحامين لا يجدون ما يسدون به رمقهم . ثم أخيرا و ليس أخرا , كان أحرى بدل استدعاء الزميل , كسب الوقت و الجهد و المحافظة على وحدة الصف من اجل النضال في الملفات الكبرى المتعلقة بالاكراهات التشريعية المرتبطة بمشاريع القوانين التي من شأنها إضعاف مهنة المحاماة , و النضال من اجل إلغاء المادة 9 من قانون المالية الجديد , و النضال من اجل مواجهة جميع المحاولات التي تحاول تدجين المحاماة و غل يدها حتى لا تقوم بالأدوار الحقوقية و التنموية المنوطة بها .
ختاما أتمنى أن لا يجد الزميل الدكتور عمر ازوكار في القضاء ضمانات حمائية أكثر مما يمكن أن يكون لدى قضاء الزملاء في المجلس الذي استدعاه , و أتمنى أن لا نقول مرة أخرى أننا في حاجة إلى مجالس تأديبية مختلطة , من اجل توفير ضمانات أكثر للمحامي المتابع الذي قد يذهب ضحية حسابات ضيقة قد تكون له مع زملائه بالمجلس و هذا ما لا نتمناه .







