من واحات بوذنيب إلى الأسواق العالمية.. كتاب علمي بمشاركة 44 باحثاً وخبيراً يعيد تسليط الضوء على الجذور المغربية لتمر المجهول، أحد أشهر أصناف التمور الفاخرة في العالم.
عاد الأصل المغربي لتمر «المجهول» إلى الواجهة من خلال إصدار علمي بعنوان «المجهول.. دُرّة التمور»، أعده عبد الوهاب زايد، الأمين العام لجائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي، بمشاركة نخبة من الباحثين والخبراء الدوليين.
ويستعرض الكتاب معطيات تاريخية وعلمية تربط منشأ هذا الصنف بواحات بوذنيب في الجنوب الشرقي للمغرب، قبل انتقال فسائله إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1927، ومنها انتشاره في مناطق مختلفة من العالم.
ويعيد هذا العمل البحثي الاهتمام بواحد من أبرز مكونات التراث الزراعي المغربي، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية حول إنتاج التمور الفاخرة وتثمين قيمتها الاقتصادية.
44 باحثاً من 13 دولة يوثقون مسار تمر المجهول
أُنجز الكتاب بإشراف عبد الوهاب زايد والخبير الدولي عبد الله وهبي، بمساهمة 44 عالماً وباحثاً من 13 دولة، إلى جانب ثمانية وزراء زراعة وأربع منظمات دولية، وفق المعطيات المقدمة بشأن الإصدار.
ويهدف المؤلف إلى توثيق المسار التاريخي لتمر المجهول، واستعراض خصائصه الزراعية ومكانته الاقتصادية، اعتماداً على معطيات بحثية وتاريخية تسلط الضوء على ارتباطه بالواحات المغربية.
وصدر الكتاب عن جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي، التابعة لمؤسسة إرث زايد الإنساني بديوان الرئاسة الإماراتي.
ويعكس حجم المشاركة الدولية في هذا العمل أهمية البحث العلمي في توثيق الأصول الزراعية، وحفظ المعرفة المرتبطة بالأصناف المحلية التي اكتسبت شهرة واسعة خارج بلدان منشئها.
من بوذنيب إلى أمريكا.. رحلة المجهول منذ سنة 1927
تحتل واحات بوذنيب مكانة أساسية في الرواية التاريخية التي يقدمها الكتاب بشأن منشأ تمر المجهول.
ويتتبع المؤلف رحلة انتقال فسائل هذا الصنف إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1927، وهي محطة بارزة في مسار انتشاره خارج المغرب.
ومع مرور السنوات، تحول المجهول إلى أحد أصناف التمور الفاخرة التي تحظى بإقبال في الأسواق الدولية، بفضل خصائصه المميزة ومكانته في تجارة التمور.
وتبرز هذه الرحلة أهمية المحافظة على الذاكرة الزراعية للمغرب، خصوصاً في المناطق الواحية التي أسهمت في تطوير أصناف محلية ذات قيمة اقتصادية وغذائية.
خمس لغات لتوسيع انتشار المعرفة حول المجهول
صدر الكتاب للمرة الأولى في أبوظبي يوم 14 مارس 2022، بإشراف الشيخ نهيان مبارك آل نهيان.
ولم يقتصر انتشار المؤلف على اللغة العربية، بل جرى إصداره بخمس لغات، هي العربية والإنجليزية والفرنسية والإسبانية والإندونيسية.
وفي سنة 2025، أُطلقت النسخة الإندونيسية في منطقة كاليمانتان، في خطوة ترمي إلى توسيع دائرة الاستفادة من المعطيات التاريخية والعلمية التي يتضمنها الكتاب.
ويتيح تعدد اللغات وصول المعلومات المتعلقة بتمر المجهول إلى الباحثين والمهتمين بزراعة النخيل في بلدان مختلفة، بما يعزز حضور التراث الزراعي المغربي في النقاشات العلمية الدولية.
اهتمام ملكي يعزز رمزية توثيق الأصل المغربي
وبحسب ما أكده منسق الإعلام بجائزة خليفة الدولية، حظي المؤلف باهتمام الملك محمد السادس وإعجابه.
ويبرز هذا المعطى أهمية توثيق الأصول التاريخية للأصناف الزراعية المغربية، بالنظر إلى ارتباطها بالهوية المحلية وبالاقتصاد الواحي.
كما يعكس الإصدار جانباً من التعاون المغربي الإماراتي في المجالات العلمية والزراعية، خاصة في ما يتعلق بحفظ التراث المرتبط بالنخيل وصيانة موارده الوراثية.
ويندرج العمل ضمن المبادرات التي تشرف عليها جائزة خليفة الدولية لنخيل التمر والابتكار الزراعي، في إطار جهود دعم البحث العلمي وتطوير المعرفة المتخصصة في قطاع النخيل والتمور.
لماذا يمثل توثيق أصل المجهول أهمية اقتصادية للمغرب؟
لا تقتصر أهمية توثيق المنشأ المغربي لتمر المجهول على الجانب التاريخي، بل تمتد إلى إمكانات تثمين الإنتاج المحلي وتعزيز مكانة المناطق الواحية.
فإبراز الخصائص المميزة للأصناف المحلية وربطها بمناطق منشئها يمكن أن يدعم جهود التعريف بالمنتجات المغربية، ويساعد على تطوير سلاسل القيمة المرتبطة بها.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية في ظل المنافسة المتزايدة داخل الأسواق العالمية للتمور، حيث تتداخل الجودة والسمعة التجارية والقدرة على التسويق في تحديد قيمة المنتجات.
كما تواجه الواحات المغربية تحديات متنامية، من بينها التغيرات المناخية وندرة الموارد المائية وانتشار الأمراض التي تهدد أشجار النخيل.
وتفرض هذه التحديات تعزيز البحث الزراعي والمحافظة على التنوع الوراثي للأصناف المحلية، إلى جانب تطوير أساليب الإنتاج التي تساعد على التكيف مع الظروف البيئية.
بوذنيب.. تراث زراعي يحتاج إلى التثمين
يعيد كتاب «المجهول.. دُرّة التمور» تسليط الضوء على المكانة التاريخية لواحات بوذنيب، باعتبارها جزءاً من الذاكرة الزراعية المغربية المرتبطة بزراعة النخيل.
كما يفتح توثيق هذا المسار المجال أمام مزيد من الاهتمام بالبحث العلمي والتعريف بالموروث الواحي، بما قد يسهم في دعم التنمية المحلية وتعزيز القيمة الاقتصادية للمنتجات الزراعية.
وبين حفظ الذاكرة وتطوير الإنتاج، تبرز الحاجة إلى تحويل المعرفة المتعلقة بالأصناف المغربية إلى فرص عملية للتثمين والتسويق، مع حماية الموارد الوراثية التي تشكل رصيداً مهماً للأجيال المقبلة.

