Home / يقولون أن / أثر البعد القيمي في تعزيز الأمن النفسي في الأزمات ” فيروس كورونا المستجد” نموذجا

أثر البعد القيمي في تعزيز الأمن النفسي في الأزمات ” فيروس كورونا المستجد” نموذجا

منير هدوبة – مدير الأكاديمية الدولية للتدريب والإستشارات

تكاثرت الأبحاث والدراسات النفسية التي ناقشت موضوعها الأمن النفسي ودوره في.خلق التوازن بين قوى النفس الداخلية وبين المصالح الفردية والمصالح المجتمعية، وظل هذا الهاجس يراود الإنسان طيلة عقود خلت، حيث شاع فيما سبق على أن مفهوم الأمن النفسي مفهوما ذاتيا، يقتصر على حماية الفرد لنفسه ووقايتها من كل ما قد يشكل خطرا عليها، لكن اتضح فيما بعد على أن الإنسان لا يستطيع أن يحمي نفسه دون أن تتكاثر وتتظافر جهوده لدفع ومواجهة الأزمات، فتقرر أن الإتحاد سبيل الخلاص، وأن قوة الجماعية قوة حتمية، وأن الإنصهار في إطار التجمع البشري هو الدرع الواقي والضامن لإستقراره وأمنه النفسي .
إن الحاجات النفسية والروحية والجسدية والعقلية لا تكتمل فاعليتها دون أن يحقق لها الأمن بكل مستوياته وعبر كل مراحل الإنسان الحياتية، فإذا حصل اضطراب في إحدى هذه المطالب اختل توازن استقراره وتأثر بذلك سلوكه، وقد عرف عبر تاريخ البشرية على أن الحضارات لا ترتقي ولا تزدهر دون تحقيق الأمن بمجموع اتجاهاته ، وأكثر من ذلك يعد الأمن بصفة عامة والأمن النفسي بصفة خاصة مقياسا لمدى وعي المجتمع، ومن أجل هذه الغاية أوجدت الأمم قوانين وضعية تحفظ لها أمنها، كما أن سائر الديانات بمضمونها العام سعت إلى تحقيق الأمن عبر تاسيسها لمجموعة من المبادئ والقيم والمعتقدات الحافظة لمصالح الناس، لتأمين الإستقرار الجماعي وتوفير السلام الإنساني .
تعد النكبات والأزمات محكا صريحا تتجلى فيه مدى حقيقة الأبعاد القيمية للحضارات السائدة الآن، ومدى تشبتها بالجوانب الأخلاقية والإنسانية، ومدى قدتها على التمسك بها وقت النوازل والأزمات، وقد كشفت أزمة وباء كرونا المستجد، الكثير من الزيف الذي كانت تعيشه عليه أكثر هذه الحضارات كاشفة لنا الخلل الضارب في عمق كيانها الروحي والأخلاقي والقيمي بشكل عام، وعرى الجانب الخلفي فيها، و فضح جشعها في تنافسها وحرصها على التقدم العسكري والإقتصادي.، ضاربة بذلك عرض الحائط كل المواثيق الدولية، فصار ظاهرا للعيان أن شعاراتها الإنسانية المزعومة المزينة بدعاوى حفاظها على حقوق الإنسان، كانت مجرد ستار يغطي خلفه حقيقة سوداء، ولم يكن ذلك إلا تطبيقا عمليا للمفاهيم الفكرية الشاذة التي تتبناها هذه الدول .
إن الكيان المجتمعي وهو يواجه هذه الأزمة أقصد فيروس كورونا المستجد، أبان عن عدم الوهم الذي تسوقه هذه الدول للعالم. وعن الإضطراب الكبير الحاصل في المنظومة القيمية لديها، حيث كان من مفروض فيها أن تكون الدرع الواقي للأمن النفسي للدول الضعيفة، فتحجب عن شعوبها وعن العالم من حولها الخوف والهلع والإضطرابات النفسية وعدم الإستقرار الناجم عن انتهاكها القوانين الوضعية والقيم الإنسانية.
إن المشروع القيمي، مشروع مبني على مكارم الأخلاق التي يتبناها ديننا الحنيف، وقد تجلى ذلك في المجتمع المغربي الذي كرس رصيده الديني والإجتماعي لمواجهة هذه الجائحة مستحضرا القيم الدينية و الإنسانية بكل معالمها بما في ذلك التوابث الوطنية، وهنا أأكد على أن العلاقة الإيجابية بين القيم الدينية والأمن النفسي والروحي، علاقة وطيدة ينبري من خلالها حسن الظن بالله، والإيمان بالقدر خيره وشره، ليشكل لدى الفرد شعورا جامحا بالرضا والتفاؤل، والتوكل على الله، و التسليم .
ومن هذا المنطلق اقول ، لقد ساهمت هذه نازلة فيروس كورونا المستجد في إعادة إحياء المنظومة القيمية التي من خلالها تم تجديد الأمن النفسي أو الأمن الشخصي، واسترجاع الحاجات الأيديولوجية للمواطن المغربي انطلاقا من الرفع من مستوى الوازع الديني في الكيان المجتمعي إلى الأحساس بإنتماءه لوطنه، وبين هذا وذاك حقق بعث القيم الإنسانية النبيلة المعالجة لبعض لللإنحرافات المجتمعية التي نخرت جسد المجتمع المغربي .
لقد أدرك المجتمع المغربي حد المسؤولية الموكولة إليه، وأبان على مدى إلتزامه بها، فوصل بذلك إلى مستوى الردع الذاتي للإضطرابات الشاذة والسلوكات الغير سوية التي تعتريه، كما أنه أدرك أن مسؤولية الأمن هي مسؤولية جماعية في أصلها، حافظة للسلامة، شاملة وعامة سواء في المجال الصحي أو سياسي أو الإجتماعي أو التربوي أو النفسي أن أهم القيم التي تم إعادة إحيائها على خلفية هذه نازلة فيروز كرونا المستجد، تجلت في شعور بالإنتماء للجماعة والشعور بدور الفرد و مدى مساهمته في سلامة الجماعة أيضا في التكافل الإجتماعي، وتقبل الذات والتسامح معها، والشعور بكفاءة والقدرة على حل المشكلات، ومواجهته الواقع، وأيضا العودة إلى الأصول في المعتقدات والأفكار، والإحساس ببعض النعم التي تم نسيانها وتم الاعتقاد على أنها ثابتة لا تزول كنعمة الأمن الروحي، والآن وقد منع الناس عن المساجد فلا شك أن في ذلك تأثير كبير على نفوسهم، فتخلفهم عن صلاة التراويح والقيام بالمساجد ،وقبلها الصلوات المفروضة جماعة عزز في نفوسهم الشوق لبيوت الله، والإحساس بالحاجة الروحية الماسة لها.
وختاما نقول أن الحاجة الماسة للأمن والأمان من المخاطر و الأزمات مربوطة بمدى إدراك الناس لأهمية الدور الذي تلعبه المنظومة القيمية في حياتهم، ومدى انعكاسها على سلوكاتهم،بصفتها مجموعة من الفضائل السلوكية والوجدانية، لذلك نعيد القول على أن ارتباط المنظومة القيمية بالأمن النفسي و الروحي والأمني بمفهومه الشامل، ارتباط وثيق يحفظ للإنسان استقراره وامتداد وجوده .

Share this:

About اخبار المملكة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

x

Check Also

أيقونة الفلك

بقلم الشاعرة المغربية ذة/ إمهاء مكاوي  – بين دروب الأشجان تسمو رؤى إلهامي على سطور ...