اخبار المملكة – عبد المنعم الكزان
إن صحة الديمقراطيات مرتبطة بتفصيل تقني بسيط إنه العملية الإنتخابية والباقي أمور ثانوية،لقد كاد هذا التصور المزيف و الأحمق للديمقراطية أن يعصف بالإمبراطوية الرومانية رغم قوتها واستقرارها، خصوصا أن المزارعين في الريف و روماني الأطراف لم يكن بمقدورهم الحضور إلى الإقتراع .
”خوسيه أرتغا إي غاسيت”
يهدف منطق القانون إلى تزويد رجل القانون بأليات تجعل قضائه عقلانيا ، ويمكن تقسم أليات الاستدلال القانوني نظريا إلى ثلاث مدارس إما استنباطية ، أو وظيفية قصدية أو جدلية خطابية، كتحول في مسارات تاريخ الفكر القانوني الذي إنتقل حسب مؤرخي القانون من المباهلة في عصور ماقبل الميلاد والوسيط إلى القسم ،فالاعتراف ثم الإقرار….فسكون نفس القاضي لتنتهي في الأخير إلى ماوصل إليه اليوم من تأسيس الحكم القانوني على وجوه الإنتقال من النسق القانوني والنص القانوني والنازلة إلى الحكم الشرعي المكيف للنازلة ، وعليه فالقاضي لايحكم فقط بما يراه معقولا في تعاطيه مع النص القانوني بل يتحرى في حكمه الشرعي قيمتين اساسيتين وهما قيمتي العدل و الإنصاف equite، بإعتبارهما أهم موجهات عمل القاضي إن دور السلطة القضائية بهذا المعنى مكملة للسلطة التشريعية وحارسة لها ، وعليه إذا كان القاضي انتصر لقيمتي العدل والإنصاف القانونين كحق فما هو حق من وجهة نظر القانون هو ماهو عادل ومنصف قانونيا ، وبهذه المناسبة نهنئ السيد رئيس اللجنة التحضيرية للمؤتمر .
لكن هل إنتصر القاضي لما هو عادل ومنصف على المستوى السياسي ، خصوصا وأن مجموعة من أعضاء اللجنة التحضيرية هم إمتداد لسياسة تهميش وإقصاء مجموعة من المناضلين لا لشئ إلا اختلاف وجهات النظر على المستوى والمذهبي وعدم إنتمائهم إلى فواعل ( المال والقوة القبيلة العائلة و التاريخ ) منذ المؤتمر السابق من خلال حصارها سياسيا وتنظيما ،
لا أحد يختلف بأن المؤسسة الملكية قامت بمجموع مصالحات ساهمت في دخول نخب جديدة لدائرة (نخبة النخبة) إما من خلال تأسيس أحزاب جديدة أو إحياء أحزاب ميتة أودمج بعض المكونات بأحزاب كلاسيكية ، مما سمح بتعديل القراءة الإنقسامية للمشهد السياسي بالمغرب، ورغم هذا الإدماج استمرت نفس العقليات العتيقة على مستوى الإقتصادي والسياسي والإداري بحيث عمدت (نخبة النخبة) الجديدة بتواطئ مع (نخبة النخبة) القديمة إلى إمداد الحقل الإقتصادي والإداري والسياسي باعتماد نفس المنهج، مع تطور جديد على مستوى الحقول ليشمل حقول أخرى، بحيث نطرح ما يمكن أن نسميه أن فائض القيمة للسلطة السياسية بالنسبة (نخبة النخبة) ،أصبح يتحول الى مستويات و حقول أخرى، إقتصادية إدارية، بل وحتى أكاديمية كوسيلة للضبط النخبوي على مستوى عدة واجهات مما يحافظ على الاستمرارية الجيلية (نخبة النخبة) على مستوى الأبناء و الأحفاد ،ويساهم في الضبط الإجتماعي أو الإقتصادي و الإداري ، من خلال إبعاد أبناء الهامش والمفقرين ، وإذا كان تاريخ المغرب يؤكد أنه لا يمكن لفرد منعزل أن يلعب دورا في التغير السياسي اللهم الأولياء والصلحاء حسب النظرية الإنقسامية ، فإن دخول المعطى العولمي وزمن الرأسمال الفردي و إضافة إلى السخط من عدم توزيع الطموحات الإقتصادية والسياسية بشكل عادل جعل بعض الأفراد يلجؤون الى مايمكن أن نسميه بالنضال الرقمي لما له من سهولة وفعالية من جهة ،وخطورة أقل على مستوى المغامرة، والجدير بالذكر أن انفصال طبقة النخبة السياسية عن المجتمع والذي ظهر بالملموس في مختلف المحطات السياسية منذ بدايات القرن الواحد والعشرين والذي كرسته نسبة العزوف عن الإنتخابات مثلا ، أو عدم قدرة (نخبة النخبة) على الدخول كوساطة لحل أزمة الإنتفاضات في مجموعة من المناطق المتضررة (زاكورة ، جرادة، الحسمة، تازة،طنجة …الرباط ) أو حتى في علاقتها بالحركات الفئوية ، أطباء، أساتدة ، المتقاعدين وذوي الحقوق،معطلين … وهو إنفصال على العموم حسب القراءة الانقسامية كان دائما ، فهي لا تعمل إلا على ما يمكن أن نسميه انتظار الفرصة للركوب على الأحداث، بل في بعض الأحيان تكون هي أول المستفيدين من التذاكر المجانية لركوب قطار ريع المصالح ، وعليه إذا كانت مسألة الكفاءة العلمية ضروية ، فإن المعطيات تأكد بلملموس أنها كفاءات استفادت من دعم طليعة الحقول الاقتصادية والاجتماعية في توفير جميع الشروط ، المادية لتعليم جيد من خلال الإستفادة من ريع المنح الدولية والدراسة في البعثات والمدارس الأجنبية والإسهام في موت المدرسة العمومية ، كما أن كلا (نخبة النخبتين) استفادت من توزيع المصالح سواء مابعد الإستقلال أوخلال عشرينية التحديث .
فأي مستقبل نريد لأية ديمقراطية؟ وأي ديمقراطية نريد لأي تنمية؟
العدالة السياسية أولا
ولا تصالح إلا مع بنية المجتمع







