يحكي التاريخ

الدكتورة جميلة فعرس

يحكي التاريخ عن موجات الغارات المغولية وما سببت من خراب و دمار و نزوح الكثير من القبائل منها التي استطاعت فيما بعد أن تؤسس لذاتها امبراطورية ، ولعل أهم هذه القبائل قبائل التركمان التي قادها قائدها سليمان شاه القايوي التركماني وبعده إبنه ارطغرل وبعده عثمان الذي أسس الإمبراطورية العثمانية ولقب بالألقاب المتعددة منها محي الدين وفخر الدين .
هذه الإمبراطورية التي بسطت سيطرتها على حوض البحر الأبيض المتوسط وعمرت ما يقارب ثمانية قرون، جمعت خلالها قوة عسكرية منظمة حسمت معارك عديدة ووقفت على حدود المغرب الأقصى تمني النفس بطريق إلى المحيط الأطلسي، ولعلها تركت بعد مر القرون هذا الحلم عند اشقاءنا .
فلما وصل رسول السلطان العثماني آنذاك إلى تارودانت اجتمع بالسلطان ودفع له الكتاب ، ولما قرأه ووجد فيه طلب ذكره على المنابر وعلى السكة ، قام وقعد وأبرق وأرعد وأزعج الرسول …فلما طلب الجواب قال له” لا أجيب سلطان القواريب الا اذا كنت بمصر ومنها أكتب جوابه، سلم على أمير القوارب سلطانك وقل له أن سلطان المغرب لابد أن ينازعك على محمل مصر ويكون قتاله معك عليه إن شاء الله ويأتيك إلى مصر والسلام، وهي رسالة تحمل رد يظهر قوة الدولة المغربية آنذاك فمن كان يتجرأ على تسمية سلطان الدولة العثمانية بسلطان القوارب نسبة إلى الاسطول البحري الذي كان فخر الإمبراطورية العثمانية .
ويحكي التاريخ أيضا أن الدولة التي فشلت في استعمار دولة معينة قد نجحت في كثير من الأحيان في استعمارها اقتصاديا أو ثقافيا ، وهذا كان يقع غالبا بإيجاد الدولة المستعمرة لأحد الشخصيات البارزة أو حزب معين في الدولة المراد استعمارها لاحتضانه ووضع ملعقة التبني في فم أحد أبرز قياديه من أجل فتح قنوات يتسرب منها فكر ومنهاج الدولة المستعمرة .
ويحكي التاريخ أيضا أن المغرب على امتداد التاريخ تعامل مع أي شيء مستورد وفق خصوصياته وأنه استطاع بعزم رجاله الحفاظ على هويته المتعددة الروافد وعلى ثوابته رغم كل موجات الغارات الحربية أو السلمية المتسللة، أخرها ما سمي بالربيع العربي ، والذي انتج وصول صاحب ملعقة التبني ورفاقه إلى السلطة بعد أن قطع بهم سليمانهم الواد فغرق أو أغرق وانتقل الأمر بعده إلى ارطغرال زمانه صاحب تثبيت النفور السياسي من صناديق الاقتراع مع ضمان كثلة ناخبة من الموردين تضمن البقاء في سلاليم السلطة وبعده فخر دينهم ومحي دينهم وسعدهم الذي علم أسرار النورسية ورجال أعمالها وعلمانيتهم ، لكن تسرع في تطبيق خطط متبنيه باستعمال تهم التخوين والمؤامرة وبعد ذلك سيرجع ليعلق صورته كأمين عام لحزبه العتيد، ويتابع بعدها إنجازات الشركات التركية التي أصبحت تغزو السوق المغربي حتى في مجال المواد الغذائية أبرزها شركة bim .
ويحكي التاريخ وعلماء النفس أن الشعب المغربي صاحب المزاج المتقلب في كل حين والثابت على شيء واحد اسمه الملكية ولاشيء غير الملكية، شعب استطاع عبر قرون ان يتقبل كل اشكال القرارات السياسية وان إحتج في كثير من الأحيان وظلم الكثير من ابناءه من الافراط في المقاربة الأمنية ، شعب ليس له من المطالب الى ما يحتاجه الانسان العادي من سبل العيش الكريم وبعيد كل البعد عن أفكار المؤامرة والخيانة، شعب له مواقفه يحتاج اليوم لهمة رجاله في إيجاد نموذج تنموي خاص بالمغرب بعيد كل البعد عن الرجل العثماني الذي ارتدا البدلة العصرية ووضع على راسه الطربوش الأحمر وكأن الحداثة دخلت عليه من اسفل ونسيت دماغه.
ويحكي التاريخ وسيبقى يحكي عن المواطن المغربي الذي إن جلست تحاوره فمن كرمه يقول “الي قلتها هي لكاينة ” ويحكي التاريخ أيضا أن الرجل المغربي وضع الحداثة بقدميه وإبقاءه على جلبابه ورزته ، ويحكي التاريخ أن المغاربة يحتفظون في ذاكرتهم برجال مرو في تاريخ المغرب حتى في غناءهم الشعبي ،فلا أظن أن بنكيران سيعوض القايد العيادي في العيطة المغربية، ولا أنه سيعوض سيدي بوعبيد الشرقي حتى وإن أراد تحويل سكنه إلى زاوية لموريديه، فلا تحاولوا أن تصنعوا من المغرب صورة لبلد اخر ولا تحاولوا أن تسوقوا الوهم لشعب له من الذكاء ما إستطاع به الحفاظ على هويته وتقاليده وثوابته.

Share this:

  • Related Posts

    في صلاة القيام قرأ الامام قولع الله تعالى *سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق*

    بقلم الدكتور منير هدوبة عدت إلى البيت وفتحت المصحف مع اني احفظ الآية عن ظهر قبل لكن لم افكر يوما في أن أجد لها تفسيرا نفسيا واقعيا يستشرف حياة نفسيا…

    الرسالة الملكية إلى العلماء بين الاستمرارية على نهج الأسلاف والوفاء لصاحب الرسالة الأعظم وجد الأشراف (3)

    د. عبد اللطيف البغيل ، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة.. سبق أن بينا في المقالة الأولى من هذه السلسلة أن الرسالة الملكية إلى العلماء تعد استنهاضا…

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *