عصام أوهاب
يشير مفهوم “الوطن في منطقة” إلى إدراك أن القوة الوطنية الكلية تكمن في تفعيل جاذبية وتنافسية أقاليمها. وهذا ينطبق بشكل خاص على المناطق ذات الخصوصية الاستراتيجية مثل الجنوب الشرقي. في عصر التنافسية الإقليمية والدولية، لم يعد يكفي أن تمتلك المنطقة موارد، بل يجب أن تمتلك علامة تجارية ترابية قوية. هنا يبرز دور الإعلام المحلي كآلية حاسمة في التسويق الترابي.
إن التسويق الترابي، كما وصفه فيليب كوتلر، يتجاوز مجرد الترويج السياحي ليصبح عملية استراتيجية متكاملة. يهدف هذا التسويق إلى تشخيص المزايا التنافسية، وتقسيم الجماهير المستهدفة، وتموقع المنطقة في السوق العالمية. بالنسبة للجنوب الشرقي، فإن “منتجه” الترابي الغني بالتراث والإرث الحضاري يجب أن يُصاغ إعلامياً ليصبح قوة جذب وطنية وخارجية.
الإعلام المحلي: رافعة الهوية والتثمين الاقتصادي
يضطلع الإعلام المحلي بمسؤولية محورية لتحقيق هذه الرؤية. وهي مسؤولية تتطلب منه تبني استراتيجيات تتجاوز الدور الإخباري التقليدي إلى دور تنموي وتسويقي فعال:
1. تشكيل الوعي بالهوية والإرث
إن الإشعاع الوطني لأي منطقة ينبع من هويتها الفريدة التي تساهم في تثمين الهوية الوطنية العامة. الإعلام المحلي هو أداة لتأصيل السردية المحلية وتثمينها. يجب عليه أن يركز على قصص النجاح، والموروث الثقافي غير المادي. كما يرى جولا، إن الارتباط العاطفي والهوية هما أساس التسويق الناجح للمكان. الإعلام يجب أن يكون خط الدفاع الأول عن الهوية الثقافية.
2. الترافع من أجل التنمية وجذب الاستثمار
لا يكتمل التسويق الترابي دون جذب الاستثمار الفاعل الذي يخلق الثروة. هنا، يصبح دور الإعلام المحلي هو تسليط الضوء على النموذج التنموي وتقديم معطيات دقيقة حول فرص الاستثمار. وبتطبيق مبدأ حاتم للتحليل الاقتصادي، يجب على الإعلام أن يقوم بـ:
- تثمين الفرص: التركيز على المزايا التنافسية النوعية، مثل الطاقة المتجددة والسياحة الإيكولوجية.
- شفافية التحديات: طرح التحديات التنموية بمهنية لحشد الدعم والمشاركة في إيجاد الحلول بدلاً من الاكتفاء بالانتقاد السلبي. الإعلام التنموي الحقيقي يحفز المشاركة المجتمعية.
استراتيجيات إعلامية لتعزيز الجاذبية
لتحقيق أقصى استفادة من دور الإعلام، يجب تبني استراتيجيات تواصلية حديثة تتبنى مبادئ التخطيط الاستراتيجي التي نادى بها جورج بونك:
- بناء الشراكات التواصلية: يجب أن يكون الإعلام المحلي منصة للتنسيق بين الفاعلين الترابيين والاقتصاديين والمجتمع المدني. الإعلام ينسق جهود التنمية الترابية (كما في التسويق المؤسسي لـ كوتلر).
- استخدام الأدوات الرقمية بفعالية: في عصر الإعلام الجديد، يجب على المؤسسات الإعلامية المحلية أن تستثمر في الصحافة الإلكترونية ومنصات التواصل لـ:
- تعزيز التواصل التفاعلي: تشجيع المواطنين على المساهمة في النقاش حول القضايا المحلية.
- التسويق متعدد الأبعاد: إنتاج محتوى جذاب (فيديوهات، تقارير مصورة) يستهدف السوق الوطنية والدولية، لإبراز التحولات التنموية الكبرى.
- الاحترافية والمساءلة: كما أشار بونك إلى أهمية “التواصل الصادق“، فإن مصداقية الإعلام المحلي هي رأسماله الأهم. الالتزام بالحياد المهني يضمن أن المحتوى الإعلامي جديراً بالثقة.
الجنوب الشرقي كقوة وطنية
في الختام، إن نجاح الجنوب الشرقي في تثبيت مكانته كقوة وطنية يتوقف على قدرته على بناء علامة ترابية قوية وواضحة المعالم. الإعلام المحلي هو القلب النابض لهذه العملية، فهو الجسر الذي يصل بين الإمكانيات المحلية والرؤية الوطنية الشاملة. المطلوب هو انتقال نوعي للإعلام ليكون: إعلاماً تنموياً، إعلاماً تسويقياً، وإعلاماً موحداً. عندما يعكس الإعلام المحلي التنمية، الهوية، والفرص بشفافية واحترافية، فإنه يعزز المناعة الترابية والقوة الاقتصادية للمنظومة الوطنية بأسرها.






