رزق المدني- أخبار المملكة
تخيلوا معي مشهدًا فاق كل تصور، مخلوق يحمل صفات البشر، لكن لا علاقة له بما يحمله بنو الإنسانية من قيم للتعايش، منزوع الضمير، مطرود من عالم الإنسانية، تسلل ذات ليلٍ إلى مزرعة سرق قطيع من الإبل، وبدلاً من أن يلوذ بالفرار إلى مكان بعيد يختبئ عن العيون كما يفعل اللصوص و الذئاب، مضى بها بجريمته إلى ساحةٍ مكشوفة، ميدان يشهده القاصي والداني، كأنه يستعرض وحشيته بفخر واعتزاز!
في تاريخ العصابات وقطاع الطرق، نعرف أن المجرمين يتخفّون، يفرّون بجريمتهم إلى العتمة بعيدًا عن العيون. أما هذا، فقد خالف كل تقاليد المجرمين، لم يهرب، بل أشهر ادوات الإنتقام على مرأى من الجميع، يتهيأ للخلاص من ضحيته بيدٍ باردة، غير آبه بشيء.
والأدهى من ذلك، أن الميدان عامرٌ بالشهود. لم يصرخ أحد، لم يمدّ أحدهم يده، لم يُسمع صوت احتجاج، كأن الجميع تواطأ بالصمت. لا أحد طالب بإعادة الإبل، لا أحد انتزع ادوات جريمته، لا أحد لبس عباءة الشجاعة ليردع هذا السافل الذي قرر أن يتلذذ بدمٍ بارد. المخزن أن الشهود حتى لم يمنعوه بأيديهم و لا بصوت عالٍ رفضا لهذا الإجرام الغير مسبوق في تاريخ الإنسانية او أضعف الإيمان كلمة “لا”… ولكن حتى هذه لم تُقال.
وفي وحشية فاحشة، رفع ادوات قتله، ليتخلص من ضحيته. عامان ونيف وهو يرقص على دماء ضحاياه، يzبح في النهار كما في الليل، بدمٍ باردٍ وسكينٍ ساخنة. لا يخشى أحدًا، لا يلتفت خلفه، كأن الشيطان قد بايعه، وكأن الشر منح له صك الغفران.
كلما سالت الدماء ازداد عطشاً كالمجنون في وليمة موت. الضحية تئن، والأرض تبكي، والسماء تشهد، لكن القلوب خرساء، والعقول في سبات. المشهد فيلمٌ أسود، لا قُدّم له إنذار ولا حُمل فيه رجاء، بطله سفاحٌ ومشاهديه موتى بأعينٍ مفتوحة.
والأيام تمضي… والسفاح ما زال يقتل، والشهود لا يُرتجى منهم صحوة، وبين الجريمة والحضور… فراغٌ دامٍ، صراخ أرواحٍ بريئة تعانق السماء، تشتكي لخالقها سفاحًا طغى، وأرضًا خذلت.







