الرحالي عبد الغفور- أخبار المملكة
في خضم اللغط السياسي الدائر حول الحكومة، لا بد من استحضار الموضوعية كمنهج والتحلي بالمهنية كقاعدة، بعيدا عن المزايدات الفارغة لأشباه السياسيين، أولئك الذين رفعوا شعارات النضال ثم باعوه في أسواق الأحزاب التي تدّعي المرجعية الوطنية، بينما لم تورث عن السلف إلا الأسماء والشعارات، ولم تحفظ العهد لمن ضحوا بأرواحهم لبناء مغرب اليوم.
الحركة الشعبية، الاتحاد الدستوري، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، العدالة والتنمية، التقدم والاشتراكية… أحزاب فقدت بريقها في أعين المواطن المغربي لأنها لم تكن يومًا في مستوى تطلعاته. لعبت دور الحاكم والمعارض في آن واحد، فتسببت في تعثر القطاعات الحيوية نتيجة صراعاتها الإيديولوجية وخدمتها لمصالحها الحزبية الضيقة قبل مصالح الوطن. واليوم، وقد وجدت نفسها في المعارضة، لا تقدم شيئًا سوى العويل على وضع كان لها يد في صناعته عندما كانت في موقع المسؤولية. تراكمت الأخطاء، وتزايدت التحديات، حتى وجدت الحكومة الحالية نفسها أمام ملفات ثقيلة، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تُحسم في خمس سنوات، خصوصًا في ظل ظرفية استثنائية تطبعها تداعيات الجائحة، والتضخم، والجفاف، وهي أزمات كبرى تركت بصمتها العميقة على مختلف القطاعات.
غير أن ما يثير السخرية هو أن هذه الأحزاب التي تتهم الحكومة بالتقصير، وتطالبها بالإنصات، هي ذاتها التي تمارس الشذوذ السياسي داخل هياكلها. تتشدق بالديمقراطية علنًا، لكنها تخنقها في كواليسها، حيث تُدار الأمور بمنطق الولاءات، وتُحتكر المواقع القيادية بين الأصهار والمريدين، في غياب تام لأي تداول حقيقي للسلطة الحزبية. لم تفتح الأبواب أمام الكفاءات، ولم تنتج نخبًا جديدة قادرة على استشراف المستقبل، بل ظلت أسيرة لعبة الكراسي، تحكمها عقلية الريع السياسي أكثر مما تحكمها روح التغيير والإصلاح.
وعوض أن ترفع سقف طموحاتها لتقديم بديل حقيقي للمرحلة المقبلة، ها هي اليوم تبحث عن تحالفات تُعيدها إلى السلطة، كأن المناصب غايتها، لا البرامج والحلول. تقول بلسان حالها: “ليس مهمًا أن نصلح الوطن، بل أن نحجز مقعدًا في الحكومة القادمة!”
والسؤال الذي يفرض نفسه: ما الذي أعدّته هذه الأحزاب للمستقبل؟ أين الحلول التي تقترحها؟ وأين الكفاءات التي قامت بتأهيلها للمرحلة القادمة؟ أم أنها اختارت الطريق الأسهل: الصراخ في وجه الحكومة، بينما تتهيأ في الخفاء لإعادة إنتاج الفشل ذاته؟






