كتبه: محمد أرارو
إننا نعيشُ هذه الأيام الفاضلة في نَسَمَاتِ خيرٍ، نعيشُ في لطائِفَ مُحمديةٍ نعيشُ في ذكرى ولادَةِ أحبِّ الخلقِ إلى اللهِ تَعَالى، نعيشُ في ذكرى ولادَةِ سيِّدِ الخلائِقِ العَربِ والعَجَمِ، نعيشُ في ذكرى ولادَةِ مُحمدٍ رسولِ اللهِ عليهِ صَلَوَاتُ اللهِ.
يقولُ اللهُ تعالَى في مُحْكَمِ التَّنـزِيلِ: ﴿لَقَدْ جَاءَكَمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عليهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبةِ:4].
إن الله خلق الخلق فاصطفى منهم بني آدم، ثم اصطفى منهم الرسل، ثم اصطفى منهم أولي العزم الخمس: نوحا وموسى وعيسى، وإبراهيم ومحمدا، ثم اصطفى محمدا وإبراهيم، ثم اصطفى محمدا على سائر خلقه.
زكاه ربه في كل شيء زكاه في صدره فقال: {ألم نشرح لك صدرك}. فشرح صدره بالوحي والرسالة، زكاه في ذكره فقال: {ورفعنا لك ذكرك}. فلا يذكر الله إلا ويذكر معه في الشهادة، في الآذان والإقامة، على المنابر، في التشهد في الصلاة، في الدروس والمواعظ، زكاه في وِزره وطهره فقال: {ووضعنا عنك وزرك}. فغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، بمعنى عصمه من اقتراف الذنوب وفعل المعاصي. زكاه في عقله فقال: {ما ضل صاحبكم وما غوى}. زكاه في كلامه فقال: {وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى}. زكاه في عفوه ورحمته وسماه باسمين من أسمائه فقال: {بالؤمنين رؤوف رحيم}. زكاه كله فقال: {وإنك لعلى خلق عظيم}. تقول السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها: “كان خلقه القرآن”؛ أي: يعمل بما في القرآن.
إننا مهما أوتينا من فصاحة في التبيين، وبلاغة في التعبير، فلن نستطيع أن نؤدي للحبيب حقه، كيف وهو الذي قال: فيما رواه الإمام مسلم رحمه الله في أوائل كتاب الفضائل من صحيحه بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأوّل من ينشق عنه القبر، وأوّل شافع وأوّل مشفع”.
فهو كما قال أمير الشعراء الإمام البصيري رحمه الله:
فمبلغ العلم فيه أنه بشر * وأنه خير خلق الله كلهم.
وما أجمل قول القائل:
يا خـير من دُفِنَتْ بالقاعِ أعظُمُهُ * فطـاب من طيبِهِنَّ القاعُ والأكَمُ.
نـفسي الفداء لقبٍر أنت سـاكِنُهُ * فيه الـعفافُ وفيه الجودُ والـكرمُ.
أنت الشفيعُ الذي تُرجى شفاعَتُهُ * عِندَ الـصراطِ إذا ما زلَّت القـدمُ.
وصـاحِباك لا أنسـاهـُما أبدا * مني السـلامُ عليكُم ما جرى القلمُ.
فما أجملها من ذكرى عظيمةٍ وما أعْظَمَهَا من مُناسَبَةٍ كريمةٍ عمَّ بِها النُّورُ أرجاءَ المعمورةِ ما أعظَمَهَا من حَدَثٍ حَوَّلَ تاريخَ الجزيرةِ العربيةِ من قبائل متناحرة مشتتة يفتك بعضها ببعض يتباهَوْنَ بالرذائِلِ والمحرَّماتِ يرفَعُونَ لواءَ الشركِ وعبادَةِ الأوثانِ حتى صارتْ مهدَ العلمِ النُّورِ والإيمانِ ودولةَ الأخلاقِ والعدلِ والأمانِ بهديِ النبيِ محمدٍ عليهِ الصّلاةُ والسلامُ.
معشر الأحباب: إن سيدنا محمدا هو خير البشرية خيرهم نسبا، من لدن آدم إلى أن حملت به آمنة بنت وهب من أبيه عبد الله بن عبد المطلب. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بُعِثْتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا حَتَّى كُنْتُ مِنَ الْقَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيه”. رواه البخاري وغيره.
وعن العباس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن الله خلق الخلق فجعلني من خيرهم، من خير قرنهم، ثم تخير القبائل فجعلني من خير قبيلة، ثم تخير البيوت فجعلني من خير بيوتهم، فأنا خيرهم نفسا، وخيرهم بيتا”.
وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم”، قال الترمذي: وهذا حديث صحيح.
وفي حديث عن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه صلى الله عليه وسلم قال: “إن الله اختار خلقه، فاختار منهم بني آدم، ثم اختار بني آدم فاختار منهم العرب، ثم اختار العرب فاختار منهم قريشا، ثم اختار قريشا فاختار منهم بني هاشم، ثم اختار بني هاشم فاختارني منهم، فلم أزل خيارا من خيار، ألا من أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم”، رواه الطبري.







