#د_منير_هدوبة
في زمن التباس المفاهيم وتراجع المرجعيات لم يعد مستغربا أن يتصدر المشهد الثقافي من لا يحمل من الثقافة إلا قشورها ومن الفن إلا صخبه. إن ظاهرة انجذاب فئة واسعة من شبابنا المغربي إلى مغني الراب المثير للجدل الملقب بطوطو ليست مجرد ميل فني عابر بل هي مرآة تعكس أزمة أعمق في الهوية وفي البنية النفسية والاجتماعية والقيمية لجيل بأكمله.
الرجل كان أكثر صدقا من بعض السياسيين في تصنيف نفسه من خلال ما كتب على لباسه بخطوط عريضة واضحة ودون خجل بل بكل تبجح “SALE GOSSE” معلنا أنه فعلا سلكوط وأن كل من يتبعه فهو منه وإني أجده صريحا في موقفه الذي تحدى به الكثير من منافقي هذا الوطن الشريف. أضف إلى ذلك أنه كان يحمل سيجارة مخدرات في يده دون أي خوف أو خجل أو استحياء، أية ندالة وأية حقارة هذه والحال أنه أمام جمع غفير من الناس فيهم الشاب والشابة فيهم الأب والأم والابن والبنت، بل فيهم حتى المثقف والنخبوي …أية مصيبة هذه حلت على مجتمعنا ؟
دعونا نراجع هذه الكارثة:
أولا من الزاوية النفسية
الشباب في مرحلة المراهقة لا يبحثون فقط عن الترفيه بل عن صوت يشبههم عن رمز يترجم تمردهم عن مساحة يعبرون فيها عن قلقهم الوجودي في ظل غياب القدوة، وضمور الخطاب التربوي يظهر من يملأ هذا الفراغ لا بالمعنى بل بالضجيج.
وقد سبق وقلت في ندوة علمية حول التوازن النفسي بين مقتضيات الشريعة وتحديات الحداثة : حين يُترك الشاب في فراغ قيمي فإن أول من يملأه هو من يملك الصوت الأعلى، لا من يملك المعنى الأعمق.
علماء النفس يؤكدون أن الإنسان فُطر على التقليد وأن غياب القدوة الحسنة يدفع الشباب إلى تقليد القدوة السيئة كبديل طبيعي كما جاء في دراسة منشورة على موقع الألوكة.
ويقول عالم النفس الأمريكي ألبرت باندورا أن السلوك الإنساني يتشكل من خلال الملاحظة والتقليد أكثر مما يتشكل من خلال التعليم المباشر. وهذا ما يجعل من طوطو وغيره من رموز الفن الماجن نماذج نفسية خطيرة يتوحد معها الشاب في لحظة هشاشة فيتبنى لغتها ومواقفها بل وحتى سلوكها بدون وعي منه.
إن تكرار الرسائل التي تمجد المخدرات وتستهين بالقيم الأسرية والدينية يخلق تطبيعا نفسيا مع الانحراف ويؤدي إلى تبلد وجداني يجعل من الانحراف خيارا مقبولا بل ومحبذا.
ثانيا من الزاوية الاجتماعية
حين يغيب المشروع المجتمعي الجامع وتنهار الثقة في المدرسة والأسرة والمؤسسات، يصبح الفن وسيلة احتجاج، لكن حين يتحول هذا الاحتجاج إلى فوضى أخلاقية، فإننا نكون أمام انحراف جماعي ممنهج.
الراب في أصله كان صرخة ضد الظلم، أما ما نراه اليوم فهو تسويق للعدمية وترويج لثقافة اللامعنى. وسائل التواصل الاجتماعي حولت كل من يملك جرأة على كسر الطابوهات إلى نجم ولو كان على حساب القيم والدين.
الآثار النفسية والاجتماعية
تطبيع الانحراف وتبريره تحت غطاء الفن وتبادل الثقافات وتناقح الهويات هو مدخل لتآكل المرجعية الأسرية والدينية والتربوية. اغتراب قيمي يولد التمرد أو الانهيار النفسي، وشرعنة ثقافة الاستهزاء بالقيم والهوية.
وأخيرا لسنا في موقع من يلعن الظلام بل من يشعل شمعة، لأن الحل لا يكون في الصراخ ضد طوطو وأمثاله بل في بناء بدائل راقية تخاطب عقل الشاب وروحه. نحتاج إلى فن هادف، إلى إعلام مسؤول، إلى مدرسة تربي لا تلقن، وإلى أسرة تصغي لا تؤنب.
فالشباب ليسوا فاسدين بطبعهم بل ضحايا فراغ تربوي وثقافي ملأه من لا يستحق.







