Home / مجتمع / #كوفيد_19 / د.خالد الإدريسي يكتب..دور الإعلام في إدارة الأزمات”أزمة كوفيد 19 نموذجا “

د.خالد الإدريسي يكتب..دور الإعلام في إدارة الأزمات”أزمة كوفيد 19 نموذجا “

د.خالد الإدريسي يكتب..دور الإعلام في إدارة الأزمات”أزمة كوفيد 19 نموذجا”

يعتبر الإعلام من أهم الآليات التي يتم الاعتماد عليها في الدول المتقدمة من أجل ترسيخ الديمقراطية و حقوق الإنسان و النهوض بالجانب التنموي على مستوى جميع المجالات ، كما انه يشكل آلية غير مباشرة لتحقيق رقابة شعبية على الأشخاص و الأجهزة الحاكمة التي تتحمل مسؤولية تدبير الشأن العام . و لذلك فإن دوره يبقى مهما و حيويا من اجل إدارة مجموعة من السياسات و الاستراتيجيات عن طريق آلياته الرقابية و الإعلامية ، و من بين أهم المجالات التي يديرها الإعلام في الوقت الحالي هو إدارة الأزمات التي أصبحت من أهم الأدوار الحديثة للإعلام في الوقت الحالي ، و بالتالي فإن توجهات و مخططات وسائل الإعلام في الأوقات العادية ، يختلف اختلافا جذريا عن توجهاتها و سياساتها الإعلامية في أوقات الأزمات.
و يمكن التأكيد على أن الأزمة أو الأزمات هو مفهوم قديم قدم البشرية و الوجود الإنساني ، حيث كانت هناك مجموعة من أنواع الأزمات كأزمات الحروب و أزمات الأوبئة و الأمراض الفتاكة ، و أزمات الجفاف ، و أزمات مواجهة الحيوانات الضارية و المتوحشة ، لكن الجديد هو الاختلاف و التنوع الكبير الذي بدأت تعرفه أنواع الأزمات في الوقت الحالي , و التي يمكن القول أنها تنقسم إلي تقسيمات كثيرة و متنوعة سواء تعلقت بالمجال السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو الرياضي أو الصحي أو البيئي ، و ما إلى ذلك من أزمات أخرى تمس مجالات متعددة لا يتسع المجال لذكرها ، لكن كل ما يمكن قوله هو أن الأزمة هي عبارة عن أسباب و أثار تجعل المجال الذي تستوطن فيه يعاني من تأثيرات سلبية تؤثر على أدائه ، و تجعله في مرحلة ركود أو تراجع . و لعل من أهم و أخطر الأزمات التي عاشتها الإنسانية قديما و حديثا هي الأزمات الوبائية و الصحية ، و التي أدت في بعض الأحيان إلى إبادة شعوب و حضارات بأكملها ، و في الوقت الحالي رغم التطور الطبي و العلمي فإن بعض الأوبئة ما تزال تشكل تهديدا كبيرا على الوجود البشري ، و لعل ابرز مثال على ذلك هو فيروس كوفيد 19 الذي مازال يجتم على أنفاس العالم إلى الآن , و مازالت الدول المتقدمة علميا و طبيا تعجز عن إيجاد دواء أو لقاح لمواجهته , مما جعله يخلف آثار جد سلبية و مخيفة على المستوى الصحي و الاقتصادي و الاجتماعي.
فعلى الرغم من مرور العالم بعدة أزمات ذات طبيعة مختلفة إلا أن أزمة كوفيد 19 كانت محكا أساسيا لمعرفة قوة و تطور تعامل الأجهزة الرسمية و غير الرسمية مع هذه الأزمة الصحية و الوبائية , لكنها كانت أيضا فرصة لتقييم مدى نضج الإعلام المغربي بمختلف تنوعاته في تعامله و تفاعله مع هذه الجائحة غير المسبوقة ، و هل يستطيع بالفعل هذا الإعلام إدارة أزمة كوفيد 19 من الناحية الإعلامية بطريقة متوازنة و فعالة ، تحقق أهداف الرسالة الإعلامية بأدوارها التقليدية من خلال نقل الخبر و تحليله و التأثير على الرأي العام من جهة أولى , و من جهة ثانية التماهي و التعاون مع باقي الاستراتيجيات لاسيما الاقتصادية و الاجتماعية و الصحية و الأمنية ، من أجل تكثيف الجهود و توحيد الرؤى ، و تعبئة المواطن المغربي من أجل التعامل بجدية و بمسؤولية مع هذا الوباء الذي أصبح يشكل جزءا من المعيش اليومي لهذا المواطن .
بداية ، يجب القول على انه عند الحديث عن الإعلام ، فإنه ينقسم إلى قسمين ، الأول إعلام تقليدي و الثاني إعلام جديد , فإذا كان الإعلام التقليدي يتمثل في الوسائط الإعلامية المعروفة منذ زمن بعيد , و التي استأنس الإنسان على التعامل معها و التأثر بها مثل الإعلام المرئي و المسموع و المكتوب و الالكتروني ، رغم جدة هذا الأخير نسبيا . فإن الإعلام الجديد يتمثل أساسا في المنصات الاجتماعية أو وسائل التواصل الاجتماعي التي رسخت مفهوم صحافة المواطن ، و أصبح من أهم الآليات المؤثرة على خلق الوعي الجمعي للمواطنين بقضاياهم الجماعية ، و بالتالي فإن دورها و أهميتها الراهنة أصبحت ربما أكبر من وسائل الإعلام التقليدية التي بدأ يخفت تأثيرها و اهتمام المواطن بها لعدة أسباب ، ليس هناك مجال لذكرها.
فإذا كان الإعلام التقليدي سواء منه الرسمي أو غير الرسمي حكيما في التعامل مع أزمة كوفيد 19 من الناحية المبدئية ، من خلال التزامه بمجموعة من الضوابط و القواعد التي يفرضها علم إدارة الأزمات من الناحية الإعلامية ، كالاقتصار على المصادر الرسمية لمعرفة المعلومات و المعطيات المتعلقة بالحالة الوبائية و تأثيراتها على مختلف مناحي الحياة ، و الابتعاد ما أمكن عن التخمينات و الإشاعات و أخبار ” البوز” ، و أيضا عدم التشكيك في الأخبار و عدم انتقاد التدابير الموضوعة من طرف لجنة اليقظة و باقي الإدارات العمومية و الوزارات , التي قد تتخذ مجموعة من التدابير و القرارات غير الشعبية , و التي قد لا يتقبلها المواطن بسهولة ، لانتقاصها حقا من حقوقه أو حرية من حرياته أو امتيازا من امتيازاته ، لذلك يبقى الإعلام ضروري في هذا المجال من اجل العمل على خلق بيئة ملائمة من أجل أن يقتنع المواطن بهذه القرارات معتمدا في ذلك على إستراتيجية إعلامية تركز على أهمية هذه التدابير من أجل القضاء على الوباء ، و استعادة رونق الحياة العادية , عن طريق تناول تأثيرات التدبير أو التدابير من الناحية الاقتصادية و الاجتماعية و الصحية ، و أيضا باقي المجالات التي تؤثر و تتأثر بالجائحة وجودا و عدما . و لهذا فإنه لا يمكن اتهام الإعلام التقليدي سواء كان رسميا أو غير رسمي بالخضوع أو عدم الاستقلال أو محاولة تبرير القرارات و التدابير التعسفية للدولة . و قد ظهر ذلك بشكل أكثر وضوحا مع تعامل الإعلام مع بعض قرارات الدولة التي أثارت الكثير من الانتقاد و السخط لدى عدد كبير من المواطنين ، لكن الإعلام كان حكيما في عدم انتقاد هذه التدابير و القرارات بشكل مبالغ فيه ، بل و تبريرها في الكثير من الأحيان حفاظا على الانسجام الشعبي و الرسمي الذي ترسخ إبان ظهور هذه الأزمة الصحية ، و أيضا من أجل الحفاظ على المستوى العالي من التضامن و التعبئة الشعبية لتسهيل تطبيق قرارات و تدابير الدولة في إطار إستراتيجيتها الشمولية لمواجهة أزمة وباء ” كوفيد 19 ” . و من بين القرارات و التدابير في هذا الإطار نجد قرار الدولة بإغلاق منافذ العديد من المدن الكبرى قبيل عيد الأضحى رغم أن هذه الفترة تعرف حركة تنقل و سفر غير اعتيادية ، و بالتالي فان هذا القرار جعله يحرم مواطنين كثر من قضاء العيد مع أقربائهم و ذويهم ، كما انه تسبب في حدوث مآسي اجتماعية أخرى ، لاسيما على مستوى وقوع عدد كبير من حوادث السير نتيجة الاكتظاظ و التسرع و السرعة في السفر ، لكن الإعلام لم يركز على المآسي و الآثار السلبية للقرار بقدر ما ركز على أهمية و آنية القرارات و التدابير المتخذة في إطار تدعيم الإستراتيجية الصحية ، و عدم التسبب في بؤر عائلية في بعض المناطق الصغيرة و النائية التي لم تسجل بها أي حالة منذ بداية الفيروس ، و هو تأويل إضافة إلى تأويلات أخرى ، حدت إلى حد ما و خففت من الغضب الشعبي الذي كان محتدما في هذا الوقت . كما أن قرار منع الدخول المدرسي بعد أن تم السماح به في أول الأمر ، لاسيما في مدينة الدار البيضاء التي تعتبر اكبر و أهم مدن المغرب اقتصاديا و سكانيا ، أثار أيضا سخط الآباء و أولياء الأمور، مثله في ذلك مثل قرار الاختيار بين التعليم الحضوري و التعليم عن بعد ، الذي اعتبره الكثيرون نوع من الارتجالية و العشوائية في اتخاذ القرارات ، و عدم وجود رؤية واضحة و عميقة لدى مدبري الأزمة لتدبير الدخول المدرسي و قطاع التعليم في هذه الظرفية الصعبة , لا سيما أن التعليم يعتبر حقا من الحقوق الأساسية للمواطن , و التي يتوجب على الدولة ضمانه لجميع أفراد المجتمع . لكن الإعلام في حقيقة الأمر لم ينجر وراء انتقاد هذه القرارات و التدابير ، و كان حكيما في عدم تهييج المواطنين و لاسيما أباء و أولياء التلاميذ في مواجهة هذه القرارات و التدابير ، و بالتالي فإن التعامل كان منضبطا مع قواعد إدارة الأزمات التي يركز فيها الإعلام على الجمع بدل التفرقة ، و على مساعدة السلطات العمومية على تسهيل تطبيق استراتيجياتها بين المواطنين من أجل القضاء على الأزمة أو على الأقل من اجل التخفيف من آثارها. و يمكن التدليل على هذا التوجه أيضا بطريقة تعاملها مع خطاب صاحب الجلالة محمد السادس الأخير الذي دق ناقوس الخطر و حمل المواطنين المسؤولية الكبرى لتفشي الوباء ووصوله إلى مراحل خطيرة و متقدمة ببلادنا ، و الذي دعا فيه إلى ضرورة الالتزام بالاحتياطات و بتطبيق الإستراتيجية الأمنية و الصحية بكل مسؤولية و التزام . فالإعلام أيضا ذهب في هذا الأمر في اتجاه تثمين الخطاب الملكي و حكمته و عدم انتقاده للأساس الذي انبنى عليه ، و هو تحميل المواطن المسؤولية لوحده فقط ، رغم انه من الواضح أن السلطات الإدارية المكلفة بتدبير الجائحة تفتقد في الكثير من الأحيان لرؤية واضحة و لقرارات و تدابير صحيحة لمواجهة هذه الأزمة الصحية . و هذا التعامل الإعلامي يعد صحيحا من وجهة نظر علم إدارة الأزمات إعلاميا ، لأن إعلام الأزمات يختلف عن إعلام الأوقات العادية ، لأن الأول يتطلب البحث عن القواسم المشتركة و تدبير الاختلاف والبحث عن ترسيخ و تقوية الحس المشترك ، بعكس إعلام الأوقات العادية الذي يتطلب النقد الموضوعي و نقد السياسات العمومية في حالة وجود أي خلل أو ارتكاب يؤثر على تدبير مجال من المجالات العمومية.
لكن، بعكس الإعلام التقليدي الذي كان منسجما مع مبادئ علم إدارة الأزمات الإعلامية ، فإن الإعلام الجديد أو وسائل التواصل الاجتماعي كان دورها أقل حكمة و أكثر جرأة لانتقاد السياسات العمومية التي تم من خلالها مواجهة تأثيرات داء كوفيد 19 , و هذا الأمر مفهوم ، لأن هذه الواسطة الإعلامية تتكون من حسابات أفراد لا يخضعون لأي قانون أو ميثاق أخلاقي يمكن أن يحد من حرية الرأي أو التعبير لديهم ، التي تعتبر مطلقة و غير مقيدة بأي قيد يرتب المسؤولية . و ربما منسوب الحرية المرتفع و شبه المطلق في هذا المجال هو الذي جعل أصحاب الحسابات على هذه المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي يرفضون القانون رقم 22.20 المتعلق بتنظيم وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل التواصل المماثلة ، لتضمنه مجموعة من المقتضيات القانونية التي تقيد من منسوب حرية الرأي و التعبير و تجعل كل من يدلي بآراء تعارض التوجهات الرسمية يقع تحت طائلة المسائلة القانونية و الزجرية . كما أن من يجعل وسائل التواصل الاجتماعي أكثر حرية وجرأة من أجل التعبير عن أراء معارضة و منتقدة للسياسات العمومية و للإجراءات و التدابير التي قامت بها الدولة سواء في الأوقات العادية أو في الأزمات الاستثنائية ، هو أن من يتحكم في الجانب التقني و القانوني و الأخلاقي لهذه الوسائل الحديثة ، هو شركات دولية عملاقة ، لها ضوابطها و أسسها و قانونها و أخلاقياتها , و لا يهمها النظام العام و لا الحدود القانونية و السياسية و الثقافية و الدينية للدول الوطنية . و لذلك فإن مواقع التواصل الاجتماعي كانت و لا تزال و ستظل مجالا خصبا لانتقاد التدابير و السياسات التي تطبقها السلطات العمومية ، إما عن طريق الانتقاد المباشر و تعرية الاختلالات و الخروقات التي تعرفها السياسات العمومية , أو عن طريق السخرية و التهكم من المسؤولين العموميين الذين يتحملون مسؤولية تدبير أزمة كوفيد 19 كل من موقعه و القطاع الذي يقوم بتدبيره ، أو تداول أخبار أو صور أو أشرطة مصورة ، تبين الفشل الذريع للدولة و المسؤولين العموميين في التعامل مع أزمة جائحة كوفيد 19 و بالتالي يمكن القول أن صحافة المواطن أو الإعلام الجديد ، لم يكن منضبطا في الكثير من مناحيه مع الضوابط التي يفرضها علم إدارة الأزمات من الناحية الإعلامية ، و هذا شيء طبيعي لأن هذا المجال إضافة إلى انه غير محكوم بأي قانون يمكن تطبيقه على المخالفات التي ترتكب خلاله ، إلا فيما يتعلق بالجرائم المنصوص عليها و المعاقب عليها بمقتضى القانون الجنائي ، فإنه يجب التأكيد أن هذا المجال صعب أن يتم تضييق حرية الرأي و التعبير فيها ، لأن أساسه و مكوناته أشخاص ينضوون تحت لواء ديانات و إيديولوجيات و عقائد مختلفة ، ناهيك عن الطابع الدولي أو عبر الوطني لهذه الوسائل التي تجعل عنصر الضبط والتقييد مستبعدا في هذا المجال. و لكن مع ذلك يجب القول أن الدولة استعملت بعض الوسائل الضبطية القانونية من أجل معالجة بعض الاختلالات التي تقع في هذه الفضاءات الافتراضية ، وقامت بمعاقبة من يرتكب أفعال مجرمة كنشر أخبار زائفة و مزيفة للحقيقة تتعلق بالوباء ، و قد تمت متابعة و اعتقال عدد كبير من مستعملي وسائل التواصل الاجتماعي في هذا المجال , لنشرهم أخبار زائفة تشوش على الرأي العام و تشكك في البلاغات و الروايات الرسمية التي تقدمها الدولة كحصيلة لاستراتيجيها المتعددة الأوجه لمواجهة أثار أزمة جائحة كورونا .
ختاما , ينبغي التأكيد على أن الإعلام في أوقات الأزمات يختلف اختلافا جذريا عن الإعلام في الأوقات العادية , فإذا كانت أهم وظيفة للإعلام في الأوقات العادية هي المراقبة الصارمة و الانتقاد و التتبع و المساءلة , و تنوير الرأي العام بالاختلالات الموجودة في السياسات العمومية و بالانتهاكات التي يرتكبها المسؤولين العموميين التي تقع على عاتقهم مهمة تدبير الشأن العام , و كل ذلك في إطار دورها التقليدي ككلب حراسة لأسس و مبادئ الديموقراطية و حقوق الإنسان , فانه على خلاف ذلك , يفرض على الإعلام أثناء أوقات الأزمات أن يساهم في تقريب وجهات نظر السلطات الرسمية و المكونات الشعبية , و أن يقوم بالتعبئة الشاملة و المتكاملة و المندمجة قصد الرفع من مستوى التضامن , و التحسيس بوحدة الماضي و الحاضر و المستقبل المشترك , و الذي يفرض على الجميع أن يكون يدا واحدة لمواجهة أي أزمة سواء كانت وبائية أو تعلقت بأي مجال من المجالات الأخرى .

Share this:

About اخبار المملكة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*

x

Check Also

طنجة .. توقيف عشريني للاشتباه في تورطه في ارتكاب جناية القتل العمد المقرون بهتك عرض قاصر

أخبار المملكة – طنجة تمكنت عناصر المصلحة الولائية للشرطة القضائية بمدينة طنجة، مساء أمس الجمعة ...