الحركة الطلابية المغربية اليوم : أي قراءات للمستقبل

عبد الحكيم قرمان
عضو الأمانة العامة لجبهة القوى الديمقراطية

انبثقت الحركة الطلابية المغربية منذ بدايات تشكل الحركة الوطنية ومقاومة الاستعمار، وتنامت دينامياتها مع الوقت لتتحول إلى قوة فكرية اجتماعية وسياسية مع تأسيس إطارها النقابي الجامع لمختلف فصائلها التقدمية الديمقراطية، تحت إسم الاتحاد الوطني لطلبة المغرب عام 1956، ومع تطور الأحداث بالبلد، أصبحت المنظمة الأبرز في تاريخ الحركة الطلابية.
لقد استطاعت الحركة الطلابية المغربية، بما راكمته من نضالات وما حققته من مكاسب وامتدادات فكرية يسارية ذات عمق مجتمعي تحرري وطنيا وأمميا، التأثير إلى جانب القوى السياسية والنقابية والحقوقية الوطنية، في مختلف مراحل الصراع الاجتماعي والسياسي بالمغرب خلال عقود الاستقلال الأولى. كما كان لحضورها النشيط والوازن على الساحة الفكرية والتأطيرية لفئات عريضة من جماهير التلاميذ والطلاب برحاب المعاهد والجامعات المغربية، تأثير بين على تطور الحياة الحزبية والنقابية والحقوقية والجمعوية عبر مختلف المنتديات. والأهم من ذلك، يتجلى في تعزيز صفوف الأحزاب الوطنية والقوى الديمقراطية وتطعيمها باستمرار بخيرة المناضلين والأطر السياسية والنقابية والحقوقية المتمرسة في ساحات الفكر والنضال الجماهيري.
إن تاريخ الحركة الطلابية المغربية يزخر بالتضحيات والنضالات، كما يوثق للعديد من المطبات و الإخفاقات المتعددة الأوجه، فكريا وتنظيميا وعلى مستوى الممارسات، الشيء الذي يجعل من هذه الحركة الشبابية المتميزة في كنهها ومهامها ورسالتها المجتمعية النبيلة، موضوعة ثرية للبحت والتداول بغية الاستقراء والتحليل الموضوعيين لاستنباط الدروس والعبر، سعيا لاعادة طرح إشكالية هذه الحركة الطلابية في خضم تحولات الجامعة المغربية من جهة، وضرورة تمكين الجماهير الطلابية من أداة تنظيمية جامعة لقواها ومكوناتها وحساسياتها الفكرية، كمؤطر وكمعبر ومحاور فعال وشريك حقيقي في مخطط التكوين والتطوير والنهضة العلمية والمجتمعية الشاملة.
لقد قدمت الحركة الطلابية المغربية شأنها شأن مجمل القوى التقدمية والديمقراطية ببلادنا عشرات الشهداء وآلاف المعتقلين وأنتجت عشرات الالاف من المثقفين والمناضلين والكوادر والقيادات في كل المجالات، وأدت أدوارًا قوية إبان مراحل تثبيت الاستقلال الوطني وفي خضم النضالات من أجل ارساء وتقوية بناء المؤسسات في مغرب الاستقلال. لقد ظلت الحركة الطلابية رافدًا وموقعا نضاليا مهمًا لعموم الحركات الاجتماعية، كما شكل الاتحاد الوطني لطلبة المغرب مدرسة حقيقية لتنشئة وتخريج الأطر السياسية والحزبية، استفاد المغرب من خدمات العديد منها منذ الاستقلال وإلى اليوم.
ونظرا، لأهمية استحضار هذه التجربة النضالية والفكرية والتنظيمية الطلابية الفريدة في تاريخنا المعاصر، بات من الواجب على كل القوى الديمقراطية التقدمية اليوم إعادة التفكير وإطلاق النقاش والحوار والتداول الجدي حول استقراء واستخراج خلاصات التجربة، والسعي الجماعي نحو بلورة رؤى وتقديم البدائل والمقترحات الكفيلة باستشراف مستقبل هذه الحركة الطلابية وضرورتها الحيوية في البناء الديمقراطي والنهضة العلمية وتجديد النخب السياسية المؤهلة. إن تلازم التفكير والاستقراء لمختلف مسارات الحركة الطلابية المغربية بكل صفحاتها المشرقة وانكساراتها المختلفة، لن يتيح للدارس والمتأمل والمحلل الرصين، إمكانية الفصل بين استقراء تاريخ الحركة وتاريخ منظمتها المتفردة الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، كما لا يمكن الحديث عن الحركة الطلابية المغربية اليوم خارج إطارها النقابي التاريخي الموحد، رغم وجود بعض الهيئات البديلة، كما حصل بعد الانشقاق الذي عرفه حزب الاستقلال عام 1959، فقرر سنة 1962 تأسيس الاتحاد العام لطلبة المغرب، باعتباره نقابة بديلة عن “أ.و.ط.م”، حيث ظل هذا الاتحاد العام، منظمة استقلالية، ولم تشتغل من داخلها أي من المكونات السياسية الطلابية المتواجدة بالجامعة منذ عام 1956.

وجدير بالذكر أن الحركة الطلابية المغربية قد مرت عبر تاريخها النضالي والتنظيمي الممتد لعقود من عدة منعرجات، وما زال تاريخها يطرح الكثير من التساؤلات المنهجية في التداول كما يظهر العديد من الصعوبات في المعالجة والمقاربة بل وحتى صعوبة التوثيق العلمي الدقيق في بناء وتقييم الأحداث والوقائع مما يجعل الكتابة حول هذه الموضوعة يحتاج إلى كثير من التبصر والترفع والتنقيح. لقد فرضت العديد من المتغيرات السياسية والمجتمعية إعادة صياغة مفهوم وأدوار الحركة الطلابية المغرية لتكون جزءا من الحياة الثقافية والنقابية والنضالية ضمن ديناميات الحركات الاجتماعية الواعية ببلدنا، بعد مرحلة تاريخية طويلة من الضمور النضالي والغياب التنظيمي على الساحة الجامعية والمجتمعية.
وتأسيسا على ما سلف، ونظرا لكون جبهة القوى الديمقراطية تشكل فرعا أصيلا ومجددا لليسار المغربي الضاربة جدوره في عمق النضالات الجماهيرية المختلفة، وكون أغلب قياداتها التأسيسية والمخضرمة تمتح في تجربتها الفكرية والنضالية الطويلة من عمق نضالات الحركة الطلابية المغربية في مختلف مراحلها ومساراتها المتعددة، فإنها قد سعت منذ لحظة التأسيس، إلى فتح الحوار وطرح المقترحات والأفكار والبدائل الكفيلة بتجديد وإحياء ديناميات الحركة الطلابية المغربية بأفق تحديثي ديمقراطي يستشرف المستقبل. ولذلك، فقد عملت على تأسيس أول رابطة للطبة الديمقراطيين نهاية تسعينيات القرن الماضي، كرافد من روافد التأطير والتكوين وإطار مدني عصرية ومنفتح على مختلف مكونات المجتمع الطلابي ببلادنا، وكخطوة ومساهمة من جبهة القوى الديمقراطية في تهييء الأرضية لتنشيط الحياة الثقافية والعلمية والفنية بالوسط الطلابي على أمل تعدد طرح المبادرات وتشبيكها بما يعيد الروح والمعنى للتعددية الفكرية في بوثقة الوحدة الطلابية المغربية.
وفي هذا الإطار، تدعو الجبهة منظماتها الشبابية والطلابية الى ضرورة التعبئة وتجديد العمل من أجل إطلاق برنامج عملهما النضالي والتنظيمي للموسم الحالي والمقبل، تنفيذا لمضامين الوثيقة الفكرية التنظيمية المرجعية للجبهة الموسومة ب” انبثاق 2020″ . وعليه فإن هذه الندوة الفكرية التي تستضيف ثلة من المناضلين الدين عاشوا وخاضوا تجارب نضالية متميزة في مراحل مختلفة من مسارات الحركة الطلابية المغربية، يمثلون الأجيال الثلاثة المؤثرة في مخاضات ومسارات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، الأداة النقابية التنظيمية المعبرة عن صوت وهوية الحركة الطلابية المغربية.
وتعالج هذه الندوة، ثلاث محاور وإشكاليات بارزة، نجملها في ما يلي:
1 – واقع الحركة الطلابية اليوم: أي قراءات وخلاصات للتجربة؟
2 – الحاجة إلى إحياء الحركة الطلابية وتحديث مفهوم ووظائف التنظيم الطلابي في خضم تطوير منظومة الجامعة المغربية؟
3 – الحركة الطلابية وتحديات العهد الرقمي: أي قراءات واستشرافات مستقبلية؟

Share this:

  • Related Posts

    القضاء يدين مبديع بـ 13 سنة سجنا نافذا في ملف تبديد أموال عمومية

    في واحدة من أكثر القضايا التي تابعتها الأوساط السياسية والقضائية باهتمام واسع، أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء الستار على ملف الرئيس السابق لجماعة الفقيه بنصالح، محمد مبديع،…

    “تاني يا قلبي”.. عمل جديد يضع يسرى الدردابي في الواجهة

    إصدار جديد يعزز المسار الفني   أفادت معطيات فنية بأن الفنانة الشابة يسرى الدردابي أطلقت، مساء أمس، عملها الغنائي الجديد بعنوان “تاني يا قلبي”، في خطوة فنية تعكس تطور تجربتها…

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *