قراءة نفسية في الفكر المخالف للمعتقدات الدينية والتوابث الوطنية

منير هدوبة – مدير الأكاديمية الدولية للتدريب والإستشارات النفسية والأسرية
يمر بعض الناس خلال حياتهم -وغالبا في بدايتها- باضطرابات أو أزمات نفسية عميقة، تتسبب لهم في خسارة كبيرة، وتنعكس سلبا على سلوكياتهم فتختلط لديهم المفاهيم والأفكار حتى المسلّمة منها والمبنية على تجاربهم وخبراتهم المؤطرة سلفا بموروثهم الديني والثقافي والإجتماعي.

ونحن إذا ما أردنا تفكيك منظومة التفكير لدى هذه العينة من الناس وجدنا أنها منظومة قهرية تم السيطرة عليها من قبل اللاوعي الخاص بهم، فأعاد تشكيلها خارج الخلفية الروحية السليمة بكل ممارساتها ومساراتها، والحالة هذه أنهم في صراع فكري دائم، ومحاولات مستمرة لجر أنفسهم فكريا إلى الاعتقاد بأنهم وصلوا إلى حالة الرفاهية الذاتية وخرجوا من دائرة الارتباك الفكري والروحي، مع أنهم يدركون جيدا أن هذه الرفاهية -أو الترف- وهمية وليست حقيقية، ويبدو لنا جليا عند تحليل آرائهم الفكرية والنظر إلى خصائصها، والمواقف التي يتبنونها، إضافة إلى العمليات النفسية والسلوكية والوجودية الكامنة فيهم، التي كونت شخصياتهم.
إنها قائمة على استعارة سببت كل ذلك الارتباط الحاصل عندهم فتجلت جوانب انعكاس هذه العملية على نفسياتهم وتمخضت عنها بعض الأمراض كانفصام الشخصية والثنائية والدهان وضياع حالة الوئام الروحي.
كل هذه الأمور تفضي بهم في نهاية المطاف إلى حالة من التطرف الفكري. إذ أن كثيرا من هذه الحالات التي كانت تعيش هذا الصراع الذي تعتبره وعيا فكريا تسيطر عليهم “الأنا” الذاتية مضمرة داخل مساحاتهم الذهنية الخاصة ويدعوهم إلى الانفصال عن عوالمهم الروحية والاستقلال عن المحيط الذي يعد في نظرهم تقييدا لحرياتهم الشخصية ويحول بينهم وبين شهواتهم الجسدية فيمتد هذا الشعور بالانفصال ليصل إلى الجسد، وهنا يقع الانفصال الحقيقي والكبير بين الجسد المتكامل مع كينونته والروح في جوهرها وطبيعتها المفطورة عليها، وفي الأصل ذلك لا يعدو أن يكون مسلكا من مسالك إشباع الحاجات النفسية، أو الحاجات الفسيولوجية التي تعتريهم في حال تناقضها مع الضوابط الدينية والاجتماعية.
كثيرا ما تكون حالة الكبت النفسي أو الفكري في مرحلة من مراحل نمو الإنسان أحد أهم أسباب هذا التطرف، طبعا قد يحصل هذا الأمر أثناء محاولة المرء إشباع حاجته وانطلاق الدافعية الداخلية بصفة عشوائية غير منتظمة داخل ظروف لا تحقق المعايير الروحية والنفسية السليمة والتي توفر لهم الاستقلالية في إطارها اللاعشوائي والانتماء اللاتبعي، ومن خلال كل هذه المعطيات، نستطيع أن نقول: إن مثل هذا القلق والصراع النفسي يفضي إلى انكار بعض الحقائق الروحية من اليقينيات إلى الظنون وذلك لأن اثبات الذات والأنانية الفردية نتيجة حتمية لذلك القلق النفسي والاضطراب في الشخصية والتأكيد أن الاتجاه إلى الفردية والأنانية يقود أيضا إلى البحث عن المصلحة الخاصة والنظر إلى مادية الحياة والانتصار للشهوات والجسدية.
ولعل من أهم الطرق التي يلجأ إليها أصحاب هذا النوع من الأمراض النفسية لإثبات ذواتهم وفرض وجودهم وجلب الأنظار إليهم هي إثارة الأسئلة الوجودية العميقة التي تتجاوز في ظاهرها الفهم الإنساني، طبعا يختلف مستوى هذه الأسئلة باختلاف المستوى الثقافي لكل من يدعيها لتصل في بعض الحالات إلى الطعن في المعتقدات الروحية والتوابث الدينية والوطنية.
ونسجل هنا أن هذه الحالات الشاذة نفسيا وروحيا تعتريها صعوبة في التفكير بوضوح، والتحليل الواقعي، وتلجأ إلى تبني الأفكار والمعتقدات والنظريات الفلسفية المنحرفة، وذلك بسبب الانطباعات والأفكار المترسخة لديها وما لازمها من مشكلات نفسية واضطرابات سلوكية خلال حياتهم سالفا وقد تتجاوز هذا الأمر إلى أن تتولد لديهم مشكلات أخلاقية شاذة ينشدون من خلالها الشهرة وإثبات الذات للتخفيف من إحساسهم بالنقص وعدم التوازن النفسي.
إن فكرة التمييز وإثارة انتباه الناس لتحقيق النرجسية العميقة المليئة بالتناقضات كوسيلة للتحرر من العزلة الذاتية والتخلص من القيود والتوابع الدينية والاجتماعية مرض قديم العهد تناقلته بعض العقول المريضة واجتهدت في التمسك به كلما أحست بخطر التهميش والإقصاء من المجتمع انكارا عليها وردا لانحرافها.

Share this:

  • Related Posts

    في صلاة القيام قرأ الامام قولع الله تعالى *سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق*

    بقلم الدكتور منير هدوبة عدت إلى البيت وفتحت المصحف مع اني احفظ الآية عن ظهر قبل لكن لم افكر يوما في أن أجد لها تفسيرا نفسيا واقعيا يستشرف حياة نفسيا…

    الرسالة الملكية إلى العلماء بين الاستمرارية على نهج الأسلاف والوفاء لصاحب الرسالة الأعظم وجد الأشراف (3)

    د. عبد اللطيف البغيل ، أستاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة.. سبق أن بينا في المقالة الأولى من هذه السلسلة أن الرسالة الملكية إلى العلماء تعد استنهاضا…

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *