780
أخبار المملكة محمد الغوفير
ثمة قصص تمر عابرة في شريط الأخبار اليومية، و ثمة قصص أخرى تجبرك على التوقف ملياً، لتطرح على نفسك سؤالاً حارقاً: كيف وصلنا إلى هذا المنحدر؟ وكيف لشابة كانت تنبض بالحياة، و تتسلح بالثقافة و الطموح، أن ينتهي بها المطاف غريبة، مشردة، و تائهة بين أشجار الغابات؟
هذا هو الوجه القاتم و الوجع المستتر في حكاية إيمان، ابنة حي القصبة، التي تحولت قصتها في الأيام الأخيرة إلى مرآة تختزل مأساة إنسانية و اجتماعية شديدة القسوة، بعدما رمت بها الظروف — حسب المعطيات المتداولة — في قلب المعاناة و التشرد بـ “غابة 33” بالجماعة الترابية المنصورية.
لم تكن إيمان مجرد رقم أو اسماً عابراً؛ بل كانت شابة مثقفة، تتقن اللغة الإنجليزية بطلاقة، و تعيش حياة مستقرة رفقة ابنتها و عائلتها، حاملةً في قلبها أحلاماً و طموحات كأي شابة مغربية تتطلع إلى غد أفضل. لكن رياح الإدمان العاتية عصفت بكل تلك الأحلام، لتتبدل الصورة المشرقة بشكل محزن، و تجد الشابة نفسها تواجه قساوة الطبيعة و التشرد، وسط غابة كستها الظلال و ضياع المستقبل، في مشهد يسائلنا جميعاً حول مصير شباب يتساقط كأوراق الخريف في دوامة المخدرات.
إن قضية إيمان لا يجب أن تُقرأ كحالة معزولة، بل هي ناقوس خطر يدق بقوة لينبهنا إلى واقع مرير يستدعي التدخل الفوري. فخلف كل مدمن أو مدمنة توجد قصة إنسانية، و عائلة تموت في اليوم ألف مرة، و مستقبل واعد يُغتال في واضحة النهار. و المؤلم في تفاصيل هذه الظاهرة، أن الكثير من ضحايا الإدمان في الآونة الأخيرة — بحسب شهادات متطابقة — هم من أصحاب المستويات الدراسية والثقافية العالية، و من بينهم أطر و شباب كانت أمامهم آفاق رحبة، قبل أن تبتلعهم مسارات الاتجار المظلمة.
و أمام هذا الوضع، يبرز السؤال الكبير: أين هي استراتيجيات الوقاية؟ و أين هو العلاج و المواكبة؟ و ما هي حدود المسؤولية المشتركة؟ إن ما تشهده “غابة 33” بالمنصورية يقتضي تجاوز المقاربات المناسباتية أو الحملات التطهيرية المؤقتة، نحو صياغة خطة حقيقية و مستدامة تضرب بقوة على أيدي تجار الموت و المروجين، مع فتح الأبواب واسعة أمام الضحايا للاستفادة من العلاج الطبي و الدعم النفسي و الاجتماعي. و لعل التحدي الأكبر يكمن في قدرتنا كمجتمع على الفصل بين المجرم الذي يتاجر بآلام الناس ليغتني، و الضحية الذي سقط في الفخ و يحتاج إلى يد تمتد إليه لتسترد له كرامته الآدمية.
إن الشابة إيمان اليوم ليست مادة للفرجة، و لا موضوعاً للتشهير على منصات التواصل الاجتماعي؛ بل هي إنسانة تستحق فرصة ثانية للحياة. و من هذا المنبر، نتوجه بنداء مستعجل إلى السلطات الإقليمية ببنسليمان، و المصالح الصحية و الاجتماعية، و الجهات الأمنية المختصة، و الفعاليات الجمعوية الجادة، للتحرك الفوري لإنقاذ هذه الشابة، و توفير الرعاية الطبية و النفسية اللازمة لها، بما يحفظ كرامتها و خصوصيتها، مع الالتفات الفوري للوضعية الاجتماعية و النفسية لابنتها وعائلتها.
كما بات من الضروري فتح تحقيق ميداني واسع في محيط “غابة 33” لتطهيرها من بؤر ترويج السموم و إعادة الطمأنينة إلى المنطقة وفق ما ينص عليه القانون.
إن إنقاذ الشابة إيمان ليس مجرد عمل إنساني عابر، بل هو إنقاذ لعشرات الشباب الذين قد يسقطون غداً في نفس الشباك. فالمخدرات لا تقتل الأجساد فقط، بل تسرق الأحلام، و تفكك الأسر، و تجهض مستقبل الأوطان. لذلك وجب محاربة تجار السموم بكل حزم، و احتضان الضحايا بالدعم و العلاج و المواكبة، فالمجتمع الذي يكتفي بالتفرج على ضياع أبنائه يحكم على مستقبله بالشلل.

