عبد اللطيف وهبي .. أولوياتنا بعد “الكورونا”

عبد اللطيف وهبي.

كلما جلست وحيدا أفكر في هذا الفيروس اللعين، كلما عادت بي الذاكرة إلى ذالك النقاش الذي عشناه لمدة سنوات داخل لجان البرلمان وفي فضاءات الصحافة، حول من يجب أن يحظى بالأولوية، الصناعة والتجارة أم البنيات الاجتماعية الأساسية؟ والآن، ونحن نواجه هذا الوباء القاتل أكرر نفس السؤال، من له الأسبقية في أولوياتنا؟ تشييد القناطر و المعامل؟ أم بناء المستشفيات؟ الاستثمار في المنتوجات الاجتماعية الأساسية؟ أم في صناعة السيارات؟ هذه الأسئلة وغيرها باتت تتردد على المرء بقوة في هذه الأيام العصيبة.

لقد اكتشفنا أن هذا العالم الغارق في صنع الأسلحة والتطاول في سماء البنيان، قد تناسا شيئا مهما، هو صحة الشعوب، هذا الموضوع أصر هذا الوباء اللعين على إعادته إلى الواجهة، بل جعله أولى الأولويات مستقبلا، فباتت قضية تهديد الأمن الصحي للشعوب غير قابلة للتأجيل، بناء قطاع قوي للصحة بات ضرورة ملحة بعدما كنا لا نفكر حتى في تلك الجزئيات التي يجب أن نشتريها بقوة ونحافظ عليها كالكمامات والقفازات الطبية ووسائل التعقيم والتحليل البسيطة، التي كانت تبدو لنا أشياء تافهة، قبل أن نكتشف أنها استراتيجية وأساسية في مجابهة هذا الفيروس اللعين.

وبالرغم من مجموع الميزانيات المتزايدة التي كنا نرصدها سنويا لقطاع الصحة، اكتشفنا في النهاية أننا لا نملك إلا بعض الأسرة لكثير من المرضى. لذلك هل علينا أن نعيد النظر في برامجنا واختياراتنا وأولوياتنا؟ أم علينا فقط أن نعتبر الموضوع مجرد كبوة صحية سنخرج منها بأقل الخسائر، ونعود بعدها لأخطائنا وتجاهلنا لقضايا مصيرية في مستقبلنا؟ لذلك لابد من التفكير هل علينا بناء الطريق أولا أم نبني المستشفى؟ وحتى لو بنينا المستشفى بدون طريق فما قيمته؟ هل نصنع الكثير من الأطباء والأطر الصحية؟ أم نكون المزيد من الأئمة؟ بعدما أمسينا اليوم أمام طبيب عاجز عن اكتشاف الدواء، وإمام عاجز عن صد الموت عنا، هل إلى هذه الدرجة يصبح الإنسان غير محمي؟

لا نختلف إطلاقا إذا قلنا أننا دولة غير منتجة وغير مصنعة، وفي المجال الصحي أكثر عجزا، لا ننتج الآليات الطبية البسيطة، ولا سيارات الإسعاف، ولا حتى العديد من الأدوية الأساسية، لذلك وجدنا أنفسنا اليوم غير محميين نهائيا من الفيروسات ومن المرض، فكيف سنتعامل مع هذا الموضوع مستقبلا؟ وهل سيغفر لنا من سيأتي من بعدنا إذا لم نهيئ البلد لمواجهة التحديات الصحية القادمة؟ فالعالم يتحرك بسرعة، والفيروسات تطور نفسها في وقت أسرع.

لذلك، علينا أن نفكر جميعا كيف سنناقش الميزانية العامة للسنة المقبلة مستحضرين آثار جائحة كورونا الحاضر وكورونا المستقبل كذلك، علينا التحلي بالمسؤولية الكاملة ونحن نضع ميزانية وزارة الصحة السنة المقبلة، صعب التكهن بالجواب من الآن، هذا إن قدر الله لنا الاجتماع مستقبلا في البرلمان، فحينها سنكون تحت هول الصدمة، تحت ضغط أزمة الضمير اتجاه الذين ماتوا جراء هذا الوباء، وأزمة قلة حيلة اليد مع من تضرر بسببه.

فاليوم لم يعد مسموح لنا انتظار الكثير من الوقت لنكتشف أن الأشياء لا تنفصل عن بعضها البعض، ونستنتج حقيقة تفرض نفسها علينا بقوة، وهي أن العالم الذي كنا نعتقد أن عولمته تجمعنا وتسهل العيش بين شعوبه مجرد وهم، إذ بمجرد الأزمة انتهت التكتلات والاتحادات، وأغلقت الحدود بين الدول العظمى، وشرعت كل دولة تبحث عن الدواء بشكل فردي ولمواطنيها فقط، بل حتى الكمامات الطبية ثم احتكارها وعدم السماح بتصديرها، بل صارت موضوع قرصنة بين الدول في مياه البحار.

 لقد علمنا هذا الوباء شيء واحد، هو أنه لا يمكننا مستقبلا الاعتماد سوى على ذواتنا، وحتى يمكن ذلك، علينا التفكير بشجاعة من الآن في اختياراتنا وأولوياتنا مستقبلا، ليس من أجل بلادنا وأنفسنا فقط، ولكن من أجل أطفالنا الذين سيأتون بعدنا. 

Share this:

  • Related Posts

    القضاء يدين مبديع بـ 13 سنة سجنا نافذا في ملف تبديد أموال عمومية

    في واحدة من أكثر القضايا التي تابعتها الأوساط السياسية والقضائية باهتمام واسع، أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء الستار على ملف الرئيس السابق لجماعة الفقيه بنصالح، محمد مبديع،…

    “تاني يا قلبي”.. عمل جديد يضع يسرى الدردابي في الواجهة

    إصدار جديد يعزز المسار الفني   أفادت معطيات فنية بأن الفنانة الشابة يسرى الدردابي أطلقت، مساء أمس، عملها الغنائي الجديد بعنوان “تاني يا قلبي”، في خطوة فنية تعكس تطور تجربتها…

    One thought on “عبد اللطيف وهبي .. أولوياتنا بعد “الكورونا”

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *