الصعود الكبير للنظام الاجتماعي

ذ. عصام أوهاب

 

إذا كنا نتوافق حول الصعود الكبير وبقوة للنظام الاجتماعي للجمعية، في داخل المجتمع، وفي عمق الحركة الاجتماعية ، وفي داخل تعبيرات الحركات الاجتماعية وحتى داخل الاقتصاد، كيف إذا نفهم الرؤيا الاجتماعية والمؤسساتية الضعيفة لها؟ وكيف نفهم أنها نسبيا غائبة عن التفكير والجدال و

النقاش السياسي؟ كيف نفهم ، في كلمة واحدة، أنها لا تمتد بشكل منطقي في منظور النظام السياسي، لتصبح ديمقراطية ترابطية عبر الجمعيات؟ والحالة هذه ، يجري بعكس ما نريد : المجتمع يظهر متفسخا، ينتقل إلى حالة من عدم المدنية، العنف ، الخوف من الآخر و من اللأمن ، وكأنه يستدعي نظام سلطة حتى لا نقول نظاما سلطويا. كيف يمكن شرح هذا التناقض ؟

يمكن أعتبار أنه يوجد خطأ في التقييم والتقدير أكثر مما هو تناقض. إنه بالتحديد أكبر انتشار لقيم الفردية، والجمعيات والديمقراطية الذي يجعل من غير المحتمل اليوم ، واقع اجتماعي وسياسي لا يطابقه. إنه خلل بين اتساع وامتداد نموذج قريب جدا من الماضي وهو ” الإنسان الديمقراطي” و مجتمع

لا يعطي هذا الإنسان الوسائل للتعبير عن نفسه، وهذا اليوم هو الأصل في  الكثير من القلق و الوهن داخل الديمقراطية و داخل الشكل الذي اخترناه من ” العيش المشترك ” . ازدياد الامتناع عن المشاركة في الانتخابات، ينبئ بشكل كبير برفض تبني أو ضمان نظاما بعيد عن الموضوعية و الواقع المعاش

وعن المشاعر والأحاسيس الديمقراطية. هذا الصعود للموضوعية أخذ بسرعة وتغلب على نظام سياسي متحجر ، مزاح و مبعد ، ليس لديه القدرة أن يعيد الأمل إلى الأفراد.

ضمن هذا السياق ، ليس فقط تطور الأفراد ومتطور مفهومهم للارتباط  الاجتماعي الذي لم يجد ترجمة سياسية، ولكن، حاليا، نحن بعيد عن الدخول في الطريق. أحينا من خلال عدم التفهم ، غالبا من خلال الرفض الاختياري، الطبقة السياسية ليست جاهزة للاعتراف بهذه الحركة الاجتماعية والسيسيولوجية، أو للسماح لها بالتعبير وخاصة فيما يتعلق بإعادة تنظيم السلطة بعد ذلك. إنه بشكل أساسي هذه العلاقة بالسلطة التي تجمد اليوم أي تطور يمكن تسجيله داخل النسيج الاجتماعي. إن الطبقة المحترفة للسياسة وكل ما يتعلق بها غير جاهزين لتقاسم هذا الاحتكار الذين يمارسوه على السلطة الشرعية وعلى تعريف الفعل والعمل السياسي. السياسة في الخطاب المتوافق عليه تبقى مجالا محجوزا ومقتصرا لجهات معينة.

و أكثر خطورة من ذلك ، في مواجهة الأشكال المتعددة لإنكار الطبقة السياسية، هذه الطبقة في ردة فعلها ، أطلقت مشروعا من التنديد والفضح، لا بل، في بعض الحالات ، تجريم المجتمع المدني. خطأ في الرد و الإجابة على الآمال الديمقراطية أو حتى بالاعتراف البسيط بحقوق متعلقة بالعمل، وفي المشاركة الاجتماعية، التي تترجم أحينا في مظاهرات ربما تكون عنيفة كما يفعل العاطلون عن العمل أو الشباب في الضواحي، من هم في ممارسة السياسة يفضلون في الحل التركيز على العنف على الحدث وليس على السبب.

ضمن نفس المعنى ليس العنف القائم أو الذي يعمل في اتجاه الديمقراطية أو حقوق الأفراد هو الأساس، ولكن، إنه المجتمع نفسه الذي يمضي إلى العنف والفوضى ، وضد الديمقراطية، وقد أصبح من الطارئ حماية المجتمع من نفسه. الحملة الانتخابية للرئاسة الفرنسية عام 2002 سمحت بتنظيم استراتيجية لما يتعلق بوضع المجتمع. العنف و اللأمن المتسارعين كانت المواضيع المستحوذة على هذه الحملة، ولكن بمجاملة تم طرحها عبر وسائل الإعلام الكبرى والتي وجدت بدورها الطرقة لوضعها في عملية إخراج

سريالية لمجتمع في طريقه إلى التفكك بشكل سريع. وبنفس الطريقة هناك مواضيع أخرى لم تتم مناقشتها بشكل جدي كالمتعلقة بالتحليل العميق لتطور الاتصال الاجتماعي، وصعود التضامن، الآمال الديمقراطية الجديدة أو تنظيم السلطات في مجتمع هو في حالة بحث عن نماذج جديدة للتعبير ، وعن مفهوم جديد للسياسة.

 

العديد يرون أنه لا بد من الابتعاد عن العنف و عن ممارسته في ردع التحركات في الداخل، ولكن هناك خلاف كبير على هذه القضية ” استخدام العنف “، والتي ظهرت بين أوساط اليمين و أصحاب النظرية الأمنية. إننا نجد هذه النظرية اليوم تقريبا في كل مكان، في الولايات المتحدة و في معظم الدول الأوربية، حيث تظهر هذه الممارسة كشاهد على نجاح السياسات التي تأخذ من القسوة و الصلابة منهجا لها. الرئيس جورج بوش الابن أصبح من اختصاصه هذه الممارسات على الصعيد الخارجي من أجل الحفاظ على شعبية مصطنعة.

وعندما التهديد الداخلي لا يكفي، فإنه يستحضر الخطر الخارجي الكامن أو المحتمل من أجل تبرير الحرب كما هو الحال في الحرب على العراق و من أجل ضمان توافق داخلي حوله من قبل الأمة الأمريكية لا بل إمكانية انتخابه مرة أخرى. هذا الانحراف لا يتعلق للأسف فقط بأحزاب اليمين ولكن بجميع الأحزاب التي في الحكم، بما فيها اليسار. ومن وجهة نظر تتعلق بالإجراءات

الديمقراطية في فرنسا وفيما يتعلق بمسالة الأمن الداخلي لم يكن فرق بين

اليمين واليسار.

السؤال السياسي الجوهري من وجهة نظر الديمقراطية يبقى بشكل ” أقل ” داخل المعارضة بين اليمين واليسار على ما هو عليه الحال بين من هم في ” الأعلى ” ومن هم في ” الأدنى”. الانشقاق السياسي يمضي أو يمر بشكل أقل ضررا في داخل الطبقة السياسية أكثر مما هو يفصل أو يمزق هذه الطبقة

السياسية عن المجتمع المدني.

إننا نعتقد أن أعضاء و ناشطي المجتمع المدني لديهم القدرة على تمثيل الحركات الاجتماعية على المسرح الشعبي و المسرح السياسي، بحيث في النهاية لديهم القدرة للعمل كحزب سياسي كلاسيكي. مرة أخرى الإجابة ليست في داخل السياسة بمفهومها التقليدي، وليس في داخل الأحزاب السياسية، إنها

في اقتراحات إعادة تنظيم السلطات و في المشاركة في الإدارة الذاتية للمجتمع المدني. و هذا لا يعني تغيير السلطة أكثر مما هو يعني إعادة توجيهها وتقسيمها بشكل مختلف، و يعني إعطاء الوسائل للمجتمع المدني لتمثيل نفسه أكثر من البحث عن تمثيله. هذه المفاهيم الجديدة لا تتناسب مع الطبقة السياسية، ولكن ستعطيها فرصة كاملة لدور آخر، لا يتمحور حول العقائدية أو التحكيم.

Share this:

  • Related Posts

    “حمى” انتخابات 2026 تجتاح الجماعات.. تقارير الداخلية ترصد “حملات سابقة لأوانها” لرؤساء جماعات وبرلمانيين

    الرباط – أخبار المملكة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، كشفت مصادر مطلعة عن وجود استنفار داخل مصالح وزارة الداخلية، إثر رصد تحركات وصفت بـ”المشبوهة” لعدد من رؤساء الجماعات…

    تحذير خطير.. 10% من أسطول الحاويات العالمي عالق بسبب أزمة مضيق هرمز

    تتجه أزمة مضيق هرمز إلى مرحلة خطيرة، بعدما أعلن الرئيس التنفيذي لشركة أوشن نتورك إكسبريس أن نحو 10% من أسطول سفن الحاويات العالمي أصبح عالقاً بسبب التوترات العسكرية. وقال جيريمي…

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *