د. أسماء غريب
الْمَاءُ أُنْثَى، هِيَ الْمَعْنَى الْإِيجَابِيُّ الْقَابِلُ لِلِاسْتِقْبَالِ، وَالْمَادَّةُ الْأُولَى للحَيَاة، وَهِيَ وَإِنْ لَا شَكْلَ لَهَا إِلَّا أَنَّهَا تَمْنَحُ الْأَشْكَالَ وُجُودَهَا. إِنَّهَا الزِّئْبَقُ الرُّوحِيُّ الَّذِي يُذِيبُ الْقَسْوَةَ وَيُحَوِّلُ الْمَعَادِنَ الصَّدِئَةَ فِي النَّفْسِ إِلَى ذَهَبٍ خَالِصٍ عَبْرَ اللِّينِ وَالسُّيُولَةِ. إِنَّهَا الْأُمُومَةُ وَالنُّمُوُّ، وَالْحَلِيبُ الْكَوْنِيُّ الَّذِي يُغَذِّي الْوُجُودَ. وَحِينَمَا تَكُونُ سَاكِنَةً تَرَاهَا مِرْآةً لِلتَّأَمُّلِ الْعَمِيقِ فِي الذَّاتِ، وَحِينَمَا تَكُونُ جَارِيَةً وَمُتَدَفِّقَةً تَرَى فِيهَا الْحَيَاةَ الَّتِي لَا تُقْهَرُ رَغْمَ رِقَّتِهَا وَلَطَافَتِهَا، وَلِأَنَّهَا مُرْتَبِطَةٌ بِالرَّحْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ الْوَاسِعَةِ قَالَ فِيهَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾. وَأُنُوثَتُهَا هُنَا تَتَجَلَّى فِي اللُّطْفِ. فَالْمَاءُ يَغْزُو الْقُلُوبَ وَالْجَمَادَاتِ بِرِقَّتِهِ لَا بِعُنْفِهِ، وَهُوَ يَخْتَرِقُ الصَّخْرَ بِالْأَنَاةِ وَالصَّبْرِ، وَهَذِهِ كُلُّهَا صِفَاتٌ جَوْهَرِيَّةٌ فِي الْوِلَايَةِ الرُّوحِيَّةِ وَالْأُنُوثَةِ الْمُقَدَّسَةِ.
وَنَحْنُ حِينَ نَتَأَمَّلُ الْبِحَارَ وَالْأَنْهَارَ، لَا نَنْظُرُ إِلَى مَادَّةٍ طَبِيعِيَّةٍ فَحَسْبُ، بَلْ نُعَايِنُ فَيْضَ الرَّحْمَةِ الَّذِي يَتَشَكَّلُ بِكُلِّ صُورَةٍ دُونَ أَنْ يَنْحَصِرَ فِيهَا، مِمَّا يَجْعَلُهُ رَمْزاً لِلْمَحَبَّةِ الْإِلَهِيَّةِ الَّتِي تَسْرِي فِي عُرُوقِ الْكَائِنَاتِ، فَلَا قِوَامَ لِلْخَلْقِ إِلَّا بِهَذَا الِانْسِيَابِ اللَّطِيفِ الَّذِي يُحْيِي الرَّمِيمَ وَيَبْعَثُ فِي النُّفُوسِ طُمَأْنِينَةَ الْأَصْلِ الْأَوَّلِ. لَكِنْ مَاذَا يَحْدُثُ حِينَ تَتَحَوَّلُ هَذِهِ الْأُنْثَى إِلَى سُيُولٍ جَارِفَةٍ وَطُوفَانٍ؟ هُنَا نَنْتَقِلُ مِنْ مَقَامِ الرَّحْمَةِ الرَّحِيمِيَّةِ الَّتِي تُرَبِّي وَتُنْمِي، إِلَى مَقَامِ الْقَهْرِ الْجَلَالِيِّ الَّذِي يُطَهِّرُ وَيَمْحُو. وَهَذَا فِي عُمْقِهِ فِعْلٌ أُنْثَوِيٌّ كَوْنِيٌّ يُمَثِّلُ الْجَلَالَ فِي ثَوْبِ الْجَمَالِ الَّذِي يُعِيدُ الْوُجُودَ إِلَى بَكَارَتِهِ الْأُولَى. فَإِذَا كَانَتِ الْأُنْثَى تَهَبُ الْحَيَاةَ، فَهِيَ أَيْضاً تَمْلِكُ حَقَّ اسْتِرْدَادِ الْأَمَانَةِ لِتُعِيدَ صِيَاغَتَهَا. السَّيْلُ الْجَارِفُ هُوَ رَحِمٌ يَفِيضُ لِيَغْسِلَ دَنَسَ الْغَفْلَةِ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ. إِنَّهَا الْأُنْثَى حِينَ تَغَارُ عَلَى حُرُمَاتِ الطَّبِيعَةِ، فَتَثُورُ لِتَكْسِرَ الْأَصْنَامَ الَّتِي نَحَتَهَا الطُّغْيَانُ الْبَشَرِيُّ. وَهَذَا هُوَ الْفَنَاءُ الْأَصْغَرُ، حَيْثُ تَمَّحِي التَّعَيُّنَاتُ وَتَعُودُ الْأَشْيَاءُ إِلَى وَحْدَتِهَا الْمَائِيَّةِ، لِتُذَكِّرَ الْإِنْسَانَ بِأَنَّ الرَّحِمَ الَّذِي مَنَحَ الدِّفْءَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَغْمُرَ الْكَوْنَ بِجَلَالِهِ، لِيُعِيدَ النُّفُوسَ إِلَى مَقَامِ الِافْتِقَارِ وَالْعُبُودِيَّةِ بَيْنَ يَدَيِ الْخَالِقِ، فَلَا نَجَاةَ مِنَ الْمَاءِ إِلَّا بِالِارْتِمَاءِ فِي صَدْرِ مَنْ خَلَقَ الْمَاءَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾. إِنَّ السُّيُولَ الَّتِي تَجْرُفُ كُلَّ شَيْءٍ فِي طَرِيقِهَا هِيَ تَجْسِيدٌ لِثَوْرَةِ الْقُوَى الْبَاطِنِيَّةِ الَّتِي حَاوَلَ الْإِنْسَانُ حَبْسَهَا خَلْفَ سُدُودِ الْمَنْطِقِ الْجَافِّ. وَحِينَ يَغْضَبُ الْمَاءُ كَأُنْثَى كَوْنِيَّةٍ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَخِيرَةَ لَا تَقْصِدُ الْفَنَاءَ لِذَاتِ الْفَنَاءِ، بَلْ تَسْعَى لِغَسْلِ الْهَوِيَّاتِ الزَّائِفَةِ وَإِجْبَارِ النَّفْسِ عَلَى التَّسْلِيمِ لِقُوَّةٍ أَعْظَمَ مِنْهَا. إِنَّهُ الْمَخَاضُ الْأَلِيمُ الَّذِي يَسْبِقُ وِلَادَةَ وَعْيٍ جَدِيدٍ، حَيْثُ يَتَّحِدُ الظِّلُّ بِالنُّورِ، وَتَعُودُ الرُّوحُ لِتَسْتَحِمَّ فِي مَنَابِعِ الْفِطْرَةِ الْأُولَى، بَعِيداً عَنْ جَفَافِ الْآلَةِ وَقَسْوَةِ التَّجْرِيدِ.
مِنْ هُنَا نَبَعَتْ فِكْرَةُ (وَجَع الْمَاءِ)، الدِّيوَانُ الشِّعْرِيُّ الْجَمَاعِيُّ الَّذِي سَهِرَ عَلَى تَنْسِيقِهِ وَجَمْعِهِ الْمُؤَرِّخُ سَعيد البُهَالي حِينَمَا ضَرَبَتْ سُيُولُ لَيْلَةِ 14 دُجَنْبِرَ 2025 الْمَدِينَةَ الْعَتِيقَةَ فِي آسَفِي، وَجَرَفَ وَادِي الشُّعْبَةِ كُلَّ مَا وَجَدَهُ أَمَامَهُ. إِذْ كَانَ لَا بُدَّ مِنْ تَوْثِيقِ هَذِهِ الْكَارِثَةِ، الَّتِي بِهَا وَجَدَ كُلُّ مُشَارِكٍ فِي هَذَا الدِّيوَانِ نَفْسَهُ تَنْتَقِلُ مِنْ تَأَمُّلِ الْمَاءِ الشَّاعِرِيِّ إِلَى مُوَاجَهَةِ الْمَاءِ التَّارِيخِيِّ فِي لَحَظَاتِ جَبَرُوتِهِ. لَيْسَ لِيَجْرِدَ الْخَسَائِرَ فَحَسْبُ وَلَكِنْ لِيَرْصُدَ هَشَاشَةَ الْحَضَارَةِ وَانْكِسَارَ الْإِنْسَانِ أَمَامَ عُنْصُرِ الْحَيَاةِ حِينَ يَتَمَرَّدُ. كُلُّنَا فِي (وَجَع الْمَاءِ) لَمْ نُسَجِّلْ حَرَكَةَ الْمَاءِ فَقَطْ، وَلَكِنْ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ ارْتِجَافَ الرُّوحِ أَمَامَ سِرِّ الْمَحْوِ الْإِلَهِيِّ. لِأَجْلِ هَذَا جَاءَتِ الْقَصَائِدُ وَثِيقَةً جَمَالِيَّةً تَجْعَلُ الْقَارِئَ يَتَأَمَّلُ فِي عَظَمَةِ الْمَاءِ بَدَلًا مِنْ مُجَرَّدِ التَّحَسُّرِ عَلَى الْخَسَائِرِ، لَا سِيَّمَا وَأَنَّ مُعْظَمَ الشُّعَرَاءِ فِي هَذَا الدِّيوَانِ لَمْ يَرَوْا فِي الْمَاءِ سَبَبَ الْكَارِثَةِ وَإِنَّمَا مَا مُنِيَتْ بِهِ الْمَدِينَةُ مِنْ إِهْمَالٍ وَتَجَاهُلٍ وَاسْتِنْزَافٍ جَعَلَ وَادِي الشُّعْبَةِ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى تَوْجِيهِ انْسِيَابِهِ بِطَرِيقَةٍ سَلِيمَةٍ وَهَادِئَةٍ لَحْظَةَ الْأَمْطَارِ الْغَزِيرَةِ، كَمَا بَدَا وَاضِحاً فِي نَصِّ د. هَدوبَة، وَهُوَ يُقَدِّمُ لَنَا مَرْثِيَّةً زَجَلِيَّةً بِعُنْوَانِ (بَائِعَةُ الْخَزَفِ… شَهِيدَةُ الْوَادِ)، هِيَ وَثِيقَةٌ أَنْثُرُوبُولُوجِيَّةٌ وَسُوسِيُولُوجِيَّةٌ تَحْمِلُ بَيْنَ طَيَّاتِهَا صَرْخَةً وُجُودِيَّةً وَنَقْداً لِلْوَاقِعِ الْمَرِيرِ، وَفِيهَا يَسْتَحْضِرُ مَشْهَدَ “الرَّحْبَةِ” كَفَضَاءٍ لِلسَّعْيِ الْيَوْمِيِّ، حَيْثُ تَتَجَلَّى شَخْصِيَّةُ غِزْلَانَ كَرَمْزٍ لِلْإِنْسَانِ الْفِطْرِيِّ الَّذِي يَقْتَاتُ مِنْ عَرَقِ جَبِينِهِ “تْرَزَّقْ اللَّهْ بِالنِّيَّةِ”. فَالْفَخَّارُ هُنَا لَيْسَ مُجَرَّدَ سِلْعَةٍ، بَلْ هُوَ امْتِدَادٌ لِهُوِيَّةِ مَدِينَةِ آسَفِي، وَحِينَ تَقُولُ الْقَصِيدَةُ “تْفْرْشْ الْفَخَّارْ فَوْقْ الْمَحَبَّة”، فَهِيَ تَرْفَعُ الْعَمَلَ الْيَدَوِيَّ إِلَى مَرْتَبَةِ الْقَدَاسَةِ وَالْعِرْفَانِ. إِنَّهَا صُورَةٌ لِلْمَرْأَةِ الْكَادِحَةِ الَّتِي تَمْزُجُ رِزْقَهَا بِاللُّطْفِ وَالرَّحْمَةِ “تَسْقِيكْ مِنْ الْخَابِيَةْ شْرْبَة”. وَحِينَمَا يَنْتَقِلُ الشّاعِرُ مِنْ مَشْهَدِ السَّكِينَةِ إِلَى مَشْهَدِ الطُّوفَانِ الْغَادِرِ، نُلَاحظُ أَنَّ الْقَصِيدَةَ تُجَرِّدُ الْمَاءَ مِنْ فِعْلِهِ الطَّبِيعِيِّ لِتَنْسِبَ الْغَرَقَ إِلَى أَسْبَابٍ بَشَرِيَّةٍ وَاجْتِمَاعِيَّةٍ: “مَا جَاشْ مِنَ السَّمَا.. جَا مْنْ الْحُكْرَة وَالظُّلْم وَالْغَدْرْ”. وَهَذَا فِي حدِّ ذَاتِهِ رَبْطٌ عَمِيقٌ بَيْنَ الْكَارِثَةِ الطَّبِيعِيَّةِ وَالْخَلَلِ الْبُنْيَوِيِّ لِلْمَدِينَةِ. “الْوَادْ” هُنَا “مَا شَاوَرْ”، أَيْ أَنَّهُ كَانَ غَضَباً جَارِفاً نَاتِجاً عَنْ تَرَاكُمَاتِ الْإِهْمَالِ. ضِفْ إِلَى هَذَا، هُنَاكَ تَنَاصٌّ رُوحِيٌّ بَيْنَ جَسَدِ الْمَرْأَةِ غِزْلَانَ وَبَيْنَ مِهْنَةِ الطِّينِ. فَعِنْدَمَا يَقُولُ الشَّاعِرُ: “وَبْكَى الطِّينْ.. وَخَا جَمَادْ”، فَهُوَ يَمْنَحُ الْمَادَّةَ نَفَسًا رُوحِيًّا. الطِّينُ الَّذِي كَانَتْ تُشَكِّلُهُ لِيَصِيرَ آنِيَةً، صَارَ هُوَ مَنْ يَبْكِي عَلَيْهَا. هَذَا الِاتِّحَادُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَالْأَرْضِ يَعْكِسُ رُؤْيَةً رُوحِيَّةً تَرَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ مُتَّصِلٌ، وَأَنَّ مَوْتَ “مُولَاتْ الْفَخَّارِ” هُوَ تَشَقُّقٌ فِي جِدَارِ الرُّوحِ الْجَمَاعِيَّةِ لِلْمَدِينَةِ. وَبِهَذَا تَتَحَوَّلُ الْقَصِيدَةُ إِلَى مَرْثِيَّةٍ لِمَدِينَةِ آسَفِي بِرُمَّتِهَا، وَلَيْسَ لِغِزْلَانَ فَقَطْ. فَتُوصَفُ الْمَدِينَةُ بِأَنَّهَا “يَتِيمَة وَمَحْكُورَةْ” رَغْمَ عَرَاقَتِهَا وَتَارِيخِهَا. وَهَذَا مَا يُعَمِّقُ الشُّعُورَ الْحَادَّ بِالتَّهْمِيشِ الزَّمَانِيِّ وَالْمَكَانِيِّ فِي زَمَانِ “الْغَلْبَة” بِشَكْلٍ يَدْفَعُ الشَّاعِرَ إِلَى اسْتِدْعَاءِ صُورَةِ الْوَلِيِّ الْقُطْبِ سِيدِي مُحَمَّد صَالِح، فِي إِشَارَةٍ إِلَى الْعَجْزِ عَنْ إِيجَادِ حَلٍّ دُنْيَوِيٍّ حَقِيقِيٍّ، لِتَنْتَهِيَ الْقَصِيدَةُ بِتَسْلِيمٍ مُطْلَقٍ لِلْقَدَرِ الْإِلَهِيِّ، مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْمَطْلَبِ الْأَخْلَاقِيِّ: “رَبِّي كْبِيرْ.. وَيَاخُذْ الْحَقَّ فِي مَنْ كَانَ سَبَّة”. وَهَذَا مَا يَجْعَلُ مِنْ د. مُنِير هَدوبَة يَنْطَلِقُ مِنَ الْفَاجِعَةِ الْفَرْدِيَّةِ لِيُعَبِّرَ عَنْ مَأْسَاةٍ جَمَاعِيَّةٍ، مُسْتَخْدِماً لُغَةً زَجَلِيَّةً مَشْحُونَةً بِعَاطِفَةٍ جَيَّاشَةٍ تَكْسِرُ قَسْوَةَ الطِّينِ وَالْمَاءِ، وَتَتَأَمَّلُ فِي هَذَا الْمَاءِ الْأُنْثَى الَّذِي ابْتَلَعَ أُنْثَى أُخْرَى هِيَ غِزْلَانُ، فَأَيُّ سِرٍّ يَكْمُنُ خَلْفَ هَذِهِ الصُّورَةِ؟!
عِنْدَمَا جَرَفَ الْوَادُ غِزْلَانَ، لَمْ يَكُنْ هَذَا مُجَرَّدَ حَادِثٍ طَبِيعِيٍّ، بَلْ كَانَ لِقَاءً بَيْنَ تَجَلِّيَيْنِ لِلْأُنُوثَةِ: غِزْلَانُ الَّتِي هِيَ أُنُوثَةُ الطِّينِ المُجَسِّدَة للِاسْتِقْرَارَ، وَالْبِنَاءَ، وَالتَّشْكِيلَ، وَلِأُنُوثَةُ الرَّحْبَةِ الَّتِي تَهَبُ الرِّزْقَ وَالسَّكِينَةَ. ثُمَّ هُنَاكَ الْوَادُ، الْأُنْثَى الَّتِي يُمَثِّلُ مَاؤُهَا الْحَرَكَةَ الْهَائِجَةَ، وَالْعَوْدَةَ إِلَى الْهَيُولَى الْأُولَى. نَحْنُ إِذَنْ هُنَا أَمَامَ أُنُوثَةٍ سَائِلَةٍ رَفَضَتْ قُيُودَ الْمَجْرَى وَبُنْيَتِهِ التَّحْتِيَّةِ الْهَشَّةِ، فَانْطَلَقَتْ لِتَمْحُوَ كُلَّ مَا هُوَ مُتَجَسِّدٌ وَمَصْنُوعٌ مِنْ طِينٍ. فَإِذَا كَانَتْ غِزْلَانُ بِفِطْرَتِهَا تَجْمَعُ الْمَاءَ وَالطِّينَ لِتَصْنَعَ الْجَمَالَ، فَإِنَّ الْمَاءَ فِي لَحْظَةِ الْفَيَضَانِ لَمْ يَسْقِ الطِّينَ لِيُنْبِتَ، بَلْ أَغْرَقَهُ لِيُذِيبَهُ. بِالضَّبْطِ كَمَا قَالَ د. مُنِير هَدوبَة فِي قَصِيدَتِهِ: “غَرْقَاتْ مُولَاتْ الْفَخَّارْ، وَخَابِيَة الْمَاء تْهَرَّسَاتْ”؛ هُنَا انْكَسَرَتِ الْخَابِيَةُ الْحَاوِيَةُ، وَتَحَطَّمَ الْجَسَدُ الْمِعْجَنُ، لِيَعُودَ الْكُلُّ إِلَى سَيَلَانٍ وَاحِدٍ. وَبِهَذَا تَحَوَّلَ الْمَاءُ مِنْ رَحِمٍ وَاهِبٍ لِلْحَيَاةِ إِلَى قَبْرٍ سَائِلٍ. وَفِي هَذَا التَّضَادِّ تَكْمُنُ الْمَأْسَاةُ: كَيْفَ لِلْعُنْصُرِ الَّذِي كَانَتْ غِزْلَانُ تَبِيعُهُ فِي خَوَابِيهَا أَنْ يَصِيرَ هُوَ نَفْسُهُ سَبَبَ مَحْوِهَا؟!
غِزْلَانُ هُنَا لَيْسَتْ ضَحِيَّةً فَقَطْ، بَلْ هِيَ قُرْبَانٌ. لَقَدْ تَلَقَّفَهَا الْمَاءُ لِيَفْضَحَ مَوْتَ الضَّمِيرِ فِي الْمَدِينَةِ. وَكَأَنَّ الْقَصِيدَةَ تَقُولُ إِنَّ طُهْرَ غِزْلَانَ “النِّيَّةَ الصَّافِيَة” كَانَ لَا بُدَّ أَنْ يَمْتَزِجَ بِطُهْرِ الْمَاءِ لِيَغْسِلَ دَنَسَ الْحُكْرَةِ وَالظُّلْمِ. إِنَّهَا لُعْبَةُ الْمَرَايَا الْحَزِينَةِ؛ غِزْلَانُ أُنْثَى طَاهِرَةٌ تَمُوتُ غَرَقاً فِي حُضْنِ أُنْثَى الْوَادِ، لِيَبْقَى فَقَطْ أَثَرُ الطِّينِ شَاهِداً بَاكِياً عَلَى لَحْظَةِ الْفَنَاءِ. لَقَدْ كَانَتْ غِزْلَانُ تَعِيشُ فِي عَالَمٍ مَادِّيٍّ قَاسٍ، مَحْكُومٍ “بِالظُّلْمِ وَالنَّهْبَةِ” كَمَا وَصَفَتِ الْقَصِيدَةُ. جَاءَ الْمَاءُ الْأُنْثَى الْكَوْنِيَّةُ لِيَنْتَزِعَهَا مِنْ هَذَا الْكَدَرِ الِاجْتِمَاعِيِّ. الْوَادُ هُنَا لَمْ يَكُنْ قَاتِلًا، بَلْ كَانَ مُحَرِّراً جَرَفَهَا مِنْ مَهَانَةِ السَّعْيِ بَيْنَ أَرْجُلِ مَنْ قُلُوبُهُمْ خْرْبَةٌ إِلَى جِوَارِ رَبٍّ “يْشُوفُ مِنْ حَالِهَا”. فَعِنْدَمَا جَرَفَهَا السَّيْلُ، كَانَتْ تِلْكَ لَحْظَةَ الْفَنَاءِ فِي الْمَحْبُوبِ بِمَعْنَاهُ الْعِرْفَانِيِّ. لَقَدْ تَحَطَّمَ الْقَالِبُ الْفَخَّارِيُّ الزَّائِلُ لِيَبْقَى الْجَوْهَرُ الْبَاقِي. وَمَا نِدَاءُ الشَّاعِرِ لِلْوَلِيِّ سِيدِي مُحَمَّدُ صَالِحُ إِلَّا إِشَارَةٌ لِدُخُولِهَا حِمَى أَهْلِ الْحَقِيقَةِ، حَيْثُ لَا “ظُلْمَ وَلَا نَهْبَةَ”. ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾. لَقَدْ عَادَتْ غِزْلَانُ رَاضِيَةً بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهَا مِنَ الشَّهَادَةِ غَرَقاً، وَمَرْضِيَّةً بِمَا نَالَتْهُ مِنْ تَطْهِيرٍ كَوْنِيٍّ جَعَلَ مِنْ قِصَّتِهَا سِرّاً يَغْرَقُ مَعَهَا لِيَنْبُتَ مَعْنًى فِي قُلُوبِ الْعَارِفِينَ.
وَهَذَا يَدْفَعُنِي لِأَنْ أَقُولَ إِنَّنَا إِذَنْ أَمَامَ مِعْرَاجٍ مَغْرِبِيٍّ قُحٍّ، قَدْ يَكُونُ بَسِيطاً فِي مَظْهَرِهِ، لَكِنَّهُ بَاذِخٌ فِي مَخْبَرِهِ. لَقَدْ كَانَتِ الرَّحْبَةُ هِيَ عَالَمُ الشَّتَاتِ، حَيْثُ تَتَفَرَّقُ الْهُمُومُ بَيْنَ الثَّمَنِ وَالْبَيْعِ وَمُدَارَاةِ الْخَلْقِ، وَكَأَنَّ غِزْلَانَ فِي كَدْحِهَا كَانَتْ تُمَارِسُ الْخَلْوَةَ فِي الْجَلْوَةِ. لَكِنَّ الْوَادَ كَانَ هُوَ الْمَجْذَبَ الَّذِي انْتَشَلَهَا مِنْ ضَجِيجِ الْكَثْرَةِ إِلَى سُكُونِ الْوَحْدَةِ. فِي الْغَرَقِ، لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ بَائِعٌ وَلَا مُشْتَرٍ، بَلْ فَنَاءٌ كُلِّيٌّ فِي عُنْصُرِ الْحَيَاةِ الْأَوَّلِ. لَقَدْ جَفَّتِ النَّارُ الَّتِي أَنْضَجَتِ الْفَخَّارَ، وَانْطَفَأَتْ حَرَارَةُ السَّعْيِ، لِيَحِلَّ مَحَلَّهَا بَرْدُ الْيَقِينِ وَسَيَلَانُ الرُّوحِ. إِنَّ هَذَا التَّحَوُّلَ مِنْ “مُولَاتْ الْفَخَّارْ” إِلَى سِرٍّ غَارِقٍ هُوَ انْتِقَالٌ مِنَ الشَّكْلِ إِلَى الْمَعْنَى، وَمِنَ الْحَرْفِ إِلَى النُّقْطَةِ. فَيَا غِزْلَانُ.. يَا سَيِّدَةَ الرَّحْبَةِ، كُنْتِ تَعْجِنِينَ الطِّينَ بِدُعَاءِ الْيَقِينِ، وَتَنْفُخِينَ فِي الْفَخَّارِ مِنْ نَفَسِ الرِّضَا، حَتَّى اسْتَحَالَ الْجَمَادُ بَيْنَ يَدَيْكِ نُطْقاً وَمَحَبَّةً. كُنْتِ تَحْمِلِينَ خَوَابِيَكِ كَمَا يَحْمِلُ الْعَارِفُ أَسْرَارَهُ؛ ظَاهِرُهَا طِينٌ يَابِسٌ، وَبَاطِنُهَا مَاءٌ زُلَالٌ يَهَبُ الْحَيَاةَ لِلْعَطَاشَى. لَكِنَّ الْوَادَ حِينَ أَقْبَلَ لَمْ يَكُنْ خَصْماً، بَلْ كَانَ نِدَاءَ الْمَنْبَعِ لِلْمَصَبِّ. كَانَ الْأُنْثَى الْكَوْنِيَّةَ الَّتِي غَارَتْ عَلَى أُخْتِهَا مِنْ شَقَاءِ الدُّنْيَا، فَمَدَّتْ أَمْوَاجَهَا كَأَذْرُعٍ مِنْ نُورٍ سَائِلٍ، لِتَنْتَشِلَكِ مِنْ زَمَانِ “الْغَلْبَةِ”، وَتُدْخِلَكِ زَمَانَ الْوَصْلِ. فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ الْقُدْسِيَّةِ انْكَسَرَتِ الْخَابِيَةُ لِيَتَحَرَّرَ السِّرُّ، وَتَشَقَّقَ الْقَالِبُ لِيَفِيضَ الْقَلْبُ. لَقَدْ كَانَ انْكِسَارُ فَخَّارِكِ هُوَ إِعْلَانَ النَّصْرِ لِرُوحِكِ؛ فَمَا فَائِدَةُ الْإِنَاءِ إِذَا نَادَى النَّهْرُ صَاحِبَهُ؟ يَا عَرُوسَ الْمَاءِ الَّتِي تَطَهَّرَتْ مِنْ غُبَارِ “الْحُكْرَةِ” بِسُيُولِ الرَّحْمَةِ. مَا جَرَفَكِ الْمَاءُ إِلَّا لِيَغْسِلَ عَنْكِ كَدَرَ السَّعْيِ فِي دُرُوبٍ ضَاقَتْ بِأَهْلِهَا. لَقَدْ صِرْتِ الْآنَ نَهْراً بِلَا ضِفَافٍ، وَخَزَفاً مَسْكُوباً فِي عَيْنِ الشَّمْسِ. فَمَنِ الَّذِي قَالَ إِنَّ غِزْلَانَ غَرِقَتْ؟ إِنَّهُ الْعَالَمُ الَّذِي غَرِقَ فِي وَحْلِ غَفْلَتِهِ، بَيْنَمَا طَفَوْتِ أَنْتِ كَنَوْرَسٍ فَوْقَ زَبَدِ الْفَنَاءِ.
أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ بِالطِّينِ، الْمُسْتَبْشِرَةُ بِالْمَاءِ. تَرَكْتِ لَنَا الْفَخَّارَ الْمَكْسُورَ آيَةً، وَمَضَيْتِ نَحْوَ سِيدِي مُحَمَّدِ صَالِحٍ بِثَوْبٍ لَا يَبْتَلُّ، وَبِيَقِينٍ لَا يَهْتَزُّ. سَيَبْقَى عِطْرُ نِيَّتِكِ الصَّافِيَةِ يَفُوحُ مِنْ كُلِّ جَرَّةٍ مَكْسُورَةٍ فِي آسَفِي، وَيَتَرَدَّدُ صَدَاكِ فِي حَفِيفِ الْوَادِ: “أَنَا لَسْتُ طِيناً يُبَاعُ.. أَنَا سِرٌّ فِي الْمَاءِ يُشَاعُ”. سَلَامٌ عَلَى رُوحِكِ الَّتِي عَرَجَتْ مِنْ مَضِيقِ الشُّعْبَةِ إِلَى سَعَةِ الْحَضْرَةِ. سَلَامٌ عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي صَارَتْ قَصِيدَةً فِي دِيوانِ (وَجَعُ المَاء)، وَعَلَى الَّتِي غَسَلَتْ أَوْجَاعَ الْمَدِينَةِ بِمَوْتِهَا الْمَلْحَمِيِّ. نَامِي قَرِيرَةَ الْعَيْنِ، فَقَدْ جَبَرَ اللَّهُ كَسْرَكِ بِمَاءٍ لَا يَغِيضُ، وَبِحُبٍّ لَا يَبِيدُ. وَجَعَلَ فِي اسْمِكِ “غِزْلَانْ” تَحَوُّلاً مِنْ فَرْدَانِيَّةِ الذَّاتِ إِلَى كُلِّيَّةِ الرَّمْزِ. فَحِينَ نَنْظُرُ بِلُغَةِ أَهْلِ اللَّهِ، نَجِدُ أَنَّ اسْمَكِ لَيْسَ جَمْعاً لِغَزَالٍ فَقَطْ، بَلْ هُوَ تَجَلٍّ لِكَثْرَةٍ فِيهَا وَحْدَةٌ؛ فَكُلُّ امْرَأَةٍ هِيَ غَزَالَةٌ تَنْشُدُ مَرَاعِيَ الرُّوحِ، وَحِينَ تَتَجَمَّعُ فِي اسْمِكِ أَيَّتُهَا الشَّهِيدَةُ، فَإِنَّهَا تَمْنَحُ الْقَصِيدَةَ بُعْداً جَمْعِيّاً يَجْعَلُ مِنْ مَوْتِكِ غَرَقاً وَتَجْسِيداً لِانْكِسَارِ الْخَيَالِ الْمِثَالِيِّ أَمَامَ قَسْوَةِ الْمَادَّةِ. وَلَا شَكَّ أَنَّكِ الْآنَ تَعْلَمِينَ أَنَّهُ فِي رِحْلَةِ السَّالِكِ، الْغَزَالَةُ هِيَ النَّفْسُ النَّافِرَةُ الَّتِي تَبْحَثُ عَنْ أُنْسِهَا فِي حِمَى اللَّهِ. وَعِنْدَمَا تَكُونُ “غِزْلَانَ” بِالْجَمْعِ، فَهِيَ إِشَارَةٌ إِلَى تِلْكَ الْأَرْوَاحِ اللَّطِيفَةِ الَّتِي تَهْرُبُ مِنَ “الْحُكْرَةِ وَالظُّلْمِ” لِتَلُوذَ بِصَحْرَاءِ الْغَيْبِ. لِذَا فَغِزْلَانُ لَمْ تَكُنْ بَائِعَةً لِلْفَخَّارِ لِأَجْلِ الطِّينِ، بَلْ كَانَتْ تُمَارِسُ أُنُوثَتَهَا كَنَوْعٍ مِنَ الْخِدْمَةِ الرُّوحِيَّةِ لِلْعَالَمِ. بِهَذَا أُرِيدُ أنْ أقولَ إنّهُ قَدْ تَتَعَدَّدُ مَكَاسِرُ الْغِزْلَانِ؛ سَيْلٌ كَانَ أَوْ زَمَانٌ لَكنَّ الرَّابِطَ بَيْنَهُنَّ يَبْقَى هُوَ هَذِهِ الْهَشَاشَةُ الْمَلَكُوتِيَّةُ. فَالْغَزَالُ لَا يُقَاتِلُ، بَلْ يَفِرُّ، وَغِزْلَانُ بِمَوْتِهَا فَرَّتْ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْوَادِ الَّذِي ضَاقَ بِهِ بَشَرٌ “قُلُوبُهُمْ خْرْبَةٌ”. وَتَرَكَتْ صُورَةً لِانْقِبَاضِ الْجَمَالِ عَنْ وَجْهِ الْأَرْضِ لَمَّا لَمْ يَعُدْ هُنَاكَ مَنْ يَرْعَاهُ. لَقَدْ كَسَرَ السَّيْلُ قَارُورَةَ الْجَمَالِ، لَكِنَّ السِّرَّ انْتَشَرَ فِي الْمَاءِ؛ فَصَارَ الْمَاءُ نَفْسُهُ غَزَالاً يَجْرِي فِي سُيُولِ الذِّكْرَى. إِنَّهَا الْأُنُوثَةُ الَّتِي انْكَسَرَتْ لِتَجْبُرَ رُوحَ الْإِنَاثِ فِي الْأَرْضِ قَاطِبَةً؛ فَكُلُّ غَزَالَةٍ سَقَطَتْ فِي سَيْلِ آسَفِي، أَوْ فِي سَيْلِ الْهَمِّ الْيَوْمِيِّ، هِيَ قُرْبَانٌ لِكَيْ تَتَعَلَّمَ النِّسَاءُ كَيْفَ يَقْرَأْنَ فَوْقَ رُكَامِ الْفَخَّارِ الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ الَّتِي افْتَتَحَ بِهَا د. مُنِير هَدوبَة مَرْثِيَّتَهُ. فَيَا غِزْلَانُ.. يَا جَمْعاً فِي وَاحِدٍ، وَيَا كَوْناً مَسْكُوباً فِي هَيْئَةِ امْرَأَةٍ. أَنْتِ لَسْتِ فَرْداً جَرَفَهُ السَّيْلُ، بَلْ أَنْتِ قَطِيعُ الرُّوحِ الَّذِي يَسْرِي فِي عُرُوقِ الْمَدِينَةِ. أَنْتِ تِلْكَ الَّتِي كَسَرَهَا الزَّمَانُ فَاسْتَحَالَتْ صَبْراً، وَالَّتِي كَسَرَهَا الظُّلْمُ فَتَحَوَّلَتْ إِلَى دُعَاءٍ يَهُزُّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ. فِي بَيْعِكِ لِلْفَخَّارِ كُنْتِ تَبِيعِينَ طُهْرَ الرُّوحِ؛ فَكُلُّ جَرَّةٍ طِينِيَّةٍ هِيَ غَزَالَةٌ حَبَسَتْ أَنْفَاسَهَا كَي تَهَبَ النَّاسَ بَرْدَ الْمَاءِ، وَكُلُّ خَابِيَةٍ هِيَ أُنُوثَةٌ مُؤَلَّهَةٌ تَقِفُ شَامِخَةً رَغْمَ هَشَاشَتِهَا النُّورَانِيَّةِ لِتَقُولَ: “أَنْتُنَّ الْقَوَارِيرُ اللَّائِي لَوْلَا انْكِسَارُكُنَّ لَمَا عَرَفَ الْعَالَمُ طَعْمَ الطِّيبِ، وَلَا رَائِحَةَ الْأَرْضِ بَعْدَ الْمَطَرِ”. يَا مَنْ جَرَفَهَا السَّيْلُ.. لَقَدْ كَانَ نِدَاؤُكِ الْأَخِيرُ صَرْخَةَ جَمِيعِ الْمُنْكَسِرَاتِ. فِي عَيْنَيْكِ كَانَ يَنَامُ تَارِيخُ آسَفِي، وَفِي يَدَيْكِ كَانَ يُولَدُ الْخَزَفُ كَمَا تُولَدُ النَّجْمَةُ مِنْ رَحِمِ الظَّلَامِ. لَقَدْ فَهِمْتِ لُغَةَ الْمَاءِ لِأَنَّكِ مَاءٌ، وَعَرَفْتِ سِرَّ الطِّينِ لِأَنَّكِ مَنْبَتُهُ. فَأَصْبَحْتِ رِسَالَةً إِلَى كُلِّ غَزَالَةٍ كَسَرَهَا مَاءٌ أَوْ هَوَاءٌ، أَوْ جَارَ عَلَيْهَا بَشَرٌ قَلْبُهُ مِنْ صَخْرٍ، رِسَالَةً تَقُولُ: “لَا تَحْزَنِي لِلِانْكِسَارِ؛ فَإِنَّ النُّورَ لَا يَدْخُلُ إِلَّا مِنَ الشُّقُوقِ. وَإِنَّ غِزْلَانَ الَّتِي غَابَتْ فِي وَادِي الشُّعْبَةِ لَمْ تَغْرَقْ، بَلْ عَمَّمَتِ الْأُنُوثَةَ عَلَى كُلِّ الْمِيَاهِ، لِتَصِيرَ كُلُّ شُرْبَةِ مَاءٍ بَعْدَهَا تَحْمِلُ نَفَحَةً مِنْ صَبْرِهَا، وَكُلُّ آنِيَةِ فَخَّارٍ تَحْمِلُ بَصْمَةً مِنْ يَقِينِهَا. أَنْتُنَّ الْغِزْلَانُ اللَّائِي تَسْكُنَّ بَيْنَ الْقَلْبِ وَالْوَرِيدِ، سَادِنَاتُ الْجَمَالِ الْخَفِيِّ، وَصَانِعَاتُ الْوُجُودِ اللَّائِي يُحَوِّلْنَ الْمَرَارَةَ إِلَى سُكَّرٍ، وَالِانْكِسَارَ إِلَى عُرُوجٍ. سَلَامٌ عَلَى غِزْلَانَ الشَّهِيدَةِ، وَسَلَامٌ عَلَى كُلِّ أُنْثَى تُعَالِجُ طِينَهَا لِتَشْتَرِيَ خَلَاصَ رُوحِهَا. ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾”. وَقَدْ فَعَلْتِ الْكَثِيرَ يَا غِزْلَانُ. حِينَ عَلَّمْتِ النَّاسَ كَيْفَ يَكُونُ الْمَوْتُ وَسَطَ الْمَاءِ قُرْبَاناً بَيْنَ يَدَيِ الْقَدَاسَةِ. بِالضَّبْطِ كَمَا يَصِفُكِ د. هَدوبَة فِي قَصِيدَتِهِ هَذِهِ وَهُوَ يَقُولُ رَاثِياً:
(كَانَتْ كَتَضْحَكْ فِي الرَّحْبَة،
تْرَزَّقْ اللَّهْ بِالنِّيَّة،
وَتْفَرْشْ الفَخَّارْ فَوْقْ المَحَبَّة
بِكْلِمَة طَيِّبَةٍ.
غِزْلَانُ ..
نِيَّتُهَا صَافِيَة،
وَحَسْرَةٌ فِي القَلْبِ
بِحَالِ النَّكْبَةِ.
آسَفِي تَعْرِفُهَا،
قَبْلَ البَيْعِ تَقُولُ: مَرْحَبًا،
قَبْلَ مَا تَقُولُ الثَّمَنَ،
تَسْقِيكَ مِنَ الخَابِيَةِ شُرْبَة
نْهَارْ جَا الوَادْ مَا شَاوَرْ،
جَا يَجْرِي بِحَالِ خَيْلْ الصَّرْبَة
مَا جَاشْ مِنَ السَّمَا،
مَا جَا مِنَ الأَرْضْ الصَّلْبَة،
جَا مِنَ الحُكْرَة.. وَالظُّلْم .. وَالغَدْر،
مِنْ كَثْرَة السَّرِقَة وَالنَّهْبَة.
عَيَّطَتْ، مَا سَمْعْ الوَادْ غَوْتْهَا،
فَلَحْظَة دَاهَا الوَاد بِالزَّرْبَة.
غَرْقَاتْ مُولَات الفَخَّارْ،
وَخَابِيَة المَاء تْهَرَّسَاتْ بِالضَّرْبَةِ.
غَرْقَاتْ .. وَغْرَقْ مَعَاهَا سِرّهَا،
وَغْرَقْ مَعَاهَا السُّؤَالْ:
“عْلَاشْ هَادْشِي وَقَعْ؟
وُشْكُونْ سَبَبْ هَادْ النَّكْبَة؟”
مَاتَتْ .. وَمَاتُو مَعَاهَا
وْلَادْ الدّْرِيبَةِ.
المْدِينَة القْدِيمَة شَاهْدَة،
وَبيْن الصُّور.. وَبَابْ الشُّعْبَةِ
عْطَى اللَّهُ لِي عْطَاهْ.
بْكَى عْلِيْهَا لْكْلِيَانْ بِالنَّدْبَة،
وَبْكَى الطِّين .. وَخَا جَمَاد،
وَمَا بْكَى شِي بَشَرٌ قَلْبُهُ خرْبَةٌ.
ضَاعَ حَقُّهَا ..
مَا عِنْدَنَا مَسْؤُولِينَ،
آسَفِي مِنْ زَمَانْ عَيْشَة فِي غُرْبَة،
الفَقْر وَالجُوعُ.. كُلُّشِي طَالِب الهَرْبَةِ.
آسَفِي كْبَرْتْ يَتِيمَة،
وَخَا كَازَا وَمُرَّاكُشْ مِنْهَا قَرِيبَة،
غِيرْ هِي وَالبَحْر وَالفَخَّار،
وْلَادْهَا لَحْرَار.. جَلَاتْهُمُ الغُرْبَةُ.
مَحْكُورَة يَا آسَفِي
فِي زَمَانْ الغَلْبَة.
آسَفِي كْلَاوْ خِيْرَهَا بِصُحْبَة.
إِيِّيهْ يَا سِيدِي مُحَمَّدْ صَالِحْ،
آسَفِي طَاحَتْ .. تْهَرَّسَاتْ لِيهَا الرُّكْبَةُ.
غْرَقْ لِي غْرَقْ فِي الوَادْ،
لِي بَاقِي فِي قَلْبُه حَرْبَة.
آسَفِي بِحَالِ غِزْلَانْ طَيِّبَة،
آسَفِي حْنِينَة وَمِسْكِينَةٌ،
وَلَكِنْ رَبِّي كْبِيرٌ، يَشُوفُ مِنْ حَالِهَا،
وَيَاخُذْ الحَقَّ فِي مَنْ كَانَ سَبَّةْ.).
دِيوَانُ (وَجَع المَاءِ) حَافِلٌ بِالقَصَائِدِ الَّتِي تَجَاوَزَ الشِّعْرُ فِيهَا الدَّعْمَ المَعْنويَّ لِيُصْبِحَ تَرْمِيمًا لِلْوُجُودِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّ السُّيُولَ جَرَفَتِ المَعَالِمَ، لَكِنَّ البَاطِنَ يَقُولُ إِنَّهَا هَدَّدَتْ مُسْتَوْدَعَ الذَّاكِرَةِ؛ لِذَا جَاءَ هَذَا الدِّيوَانُ سَدًّا لُغَوِيًّا يَمْنَعُ جَرَفَانَ الهُوِيَّةِ، وَهُوَ مَا تَشْهَدُ بِهِ ضِمْنَ قَصَائِدَ مُتَنَوِّعَةٍ فِي بَوْحِهَا وَأُسْلُوبِهَا، قَصِيدَةُ الأدِيب سَعِيد البُهَالي (تَحَدٍّ وَإِبَاءٌ)، وَالَّتِي تَتَحَوَّلُ فِيهَا آسَفِي إِلَى مَقَامٍ عِرْفَانِيٍّ، يَمْتَزِجُ بَيْنَ أَزِقَّتِهَا الطِّينُ بِالأَزَلِ، وَالسُّيُولُ بِالوَجْدِ.
يَبْدَأُ النَّصُّ بِـ “سُيُولِ الشُّعْبَةِ” وَ”سُيُولِ الرَّهْبَةِ”. وَالمَاءُ فِيهَا لَيْسَ عُنْصُرَ حَيَاةٍ فَقَطْ، بَلْ هُوَ تَجَلٍّ جَلَالِيٌّ يُحْدِثُ الرَّهْبَةَ لِيُعِيدَ النُّفُوسَ إِلَى مَرْكَزِهَا. الأُسْتَاذُ البُهَالِي يَرْفُضُ أَنْ تُمْسِيَ المَدِينَةُ “ذِكْرَى تَحْتَ الرُّكَامِ”، وَهَذَا رَفْضٌ لِلْفَنَاءِ المَادِّيِّ فِي مُقَابِلِ البَقَاءِ الرُّوحِيِّ. وَهُوَ لِأَجْلِهِ يَقُولُ: “فَالصَّامِدُونَ هَا هُنَا رَتَعُوا / وَالْوَالِهُونَ هَا هُنَا رَكَعُوا”. وَذَلِكَ لِيَجْمَعَ بَيْنَ ثَبَاتِ الصَّمَدِيَّةِ وَوَلَهِ العِشْقِ. وَهَذَا الرُّكُوعُ فِي “حِجْرِ الثُّرَيَّا” يَنْقُلُ المَدِينَةَ مِنْ جُغْرَافِيَا المَغْرِبِ إِلَى جُغْرَافِيَا السَّمَاءِ، لِتُصْبِحَ مِحْرَاباً كَوْنِيّاً، حَيْثُ يَتَحَوَّلُ السُّهَادُ وَالِانْتِظَارُ إِلَى نَوْعٍ مِنَ المُجَاهَدَةِ الرُّوحِيَّةِ، مِحْرَاباً يَسْتَحِقُّ أَنْ يُخَاطِبَهُ الشَّاعِرُ بِصِيغَةِ المُؤَنَّثِ العَزِيزِ (“فَاتِنَتِي”، “سَاكِنَتِي”)، كَمَا يَفْعَلُ أَهْلُ الذَّوْقِ حِينَمَا يُطَوِّعُونَ اللُّغَةَ وَيَسْتَخْدِمُونَهَا فِي التَّغَزُّلِ بِالذَّاتِ الإِلَهِيَّةِ أَوْ بِالتَّجَلِّيَاتِ القُدْسِيَّةِ. فَالْمَدِينَةُ هُنَا بِالنِّسْبَةِ لِلبُهَالِي هِيَ الأُمُّ الرَّؤُومُ وَالمَعْشُوقَةُ الأَزَلِيَّةُ. هِيَ لَا تَشِيبُ، لِأَنَّ جَوْهَرَهَا رُوحِيٌّ لَا يَنَالُ مِنْهُ الزَّمَانُ وَلَا تُغَيِّرُهُ الكَوَارِثُ. وَلِأَنَّهُ مُؤَرِّخٌ فَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّ “حَوَارِيَّهَا العَتِيقَةَ” شَهِدَتْ نَكَبَاتٍ وَأَمْجَادًا، لَكِنَّهُ يَتَجَاوَزُ التَّوْثِيقَ لِيُقَدِّمَ نُبُوءَةً: (سَتَزْدَهِرُ… سَيَهْطِلُ… سَنَنْسِجُ)، مُسْتَخْدِمًا فِعْلَ الِاسْتِقْبَالِ (السِّينَ) لِيُعَبِّرَ بِيَقِينِ العَارِفِ وَيَقُولَ إِنَّ بَعْدَ العُسْرِ يُسْرًا، وَإِنَّ الخَرَابَ لَيْسَ إِلَّا مَرْحَلَةً لِإِعَادَةِ البِنَاءِ عَلَى أُسُسٍ أَنْقَى.
تَنْتَهِي القَصِيدَةُ بِـ “الحُبِّ الأَزَلِيِّ عَلَى الدَّوَامِ”، وَهِيَ النُّقْطَةُ الَّتِي تَبْدَأُ مِنْهَا وَتَنْتَهِي إِلَيْهَا كُلُّ الرِّحْلاتِ العِرْفَانِيَّةِ. آسَفِي، فِي هَذَا النَّصِّ، هِيَ رَمْزٌ لِلْإِنْسَانِ الَّذِي يَنْفُضُ عَنْهُ غُبَارَ الطِّينِ لِيَرْتَدِيَ جُبَّةَ الضِّيَاءِ، مُحَوِّلًا صَوْتَ الرَّعْدِ إِلَى “تَرَاتِيلِ مُؤَذِّنِينَ”.
أَلَيْسَ رَائِعًا كَيْفَ اسْتَطَاعَ هَذَا الشَّاعِرُ أَنْ يَجْعَلَ مِنْ “عَبَقِ الطِّينِ” مِحْرَابًا لِلصَّلَاةِ بَعْدَ هَوْلِ الفَيْضَانِ؟ فَحِينَ يَقُولُ: “وَحْدَكِ يَا سَاكِنَتِي… يَا فَاتِنَتِي”، هُنَا يَنْطِقُ الِابْنُ الَّذِي تَعْرِفُ قَدَمَاهُ مَسَالِكَ الحَوَارِي العَتِيقَةِ. هُوَ لَا يَصِفُ مَدِينَةً بَعِيدَةً، بَلْ يَصِفُ سَكَنَهُ الرُّوحِيَّ. هَذَا الِانْتِمَاءُ هُوَ مَا جَعَلَ نَصَّهُ يَنْسَابُ بِهَذِهِ الرِّقَّةِ رَغْمَ جَلَالِ الحَدَثِ؛ فَالاِبْنُ يُطَمْئِنُ أُمَّهُ حِينَ تَبْكِي، وَالشَّاعِرُ يُطَمْئِنُ آسَفِي بِأَنَّ مَكَانَتَهَا “فِي العَالَمِينَ” مَحْفُوظَةٌ لَا يَجْرُفُهَا سَيْلٌ. وَقَدِ اعْتَمَدَ البُهَالي مِنْ أَجْلِ تَجْسِيدِ هَذَا المَعْنَى شِعْرَ التَّفْعِيلَةِ بِمُرُونَةٍ عَالِيَةٍ، مِمَّا أَتَاحَ لَهُ تَنْوِيعَ طُولِ الأَسْطُرِ تَبَعاً لِتَدَفُّقِ المَشَاعِرِ. فِي البِدَايَةِ، نَجِدُ جُمَلًا قَصِيرَةً مُتَلَاحِقَةً تُشْبِهُ صَدْمَةَ السَّيْلِ (قُلْ لِسُيُولِ الشُّعْبَةِ / قُلْ لِسُيُولِ الرَّهْبَةِ)، ثُمَّ تَمْتَدُّ الأَسْطُرُ حِينَ يَبْدَأُ فِي رَسْمِ صُورَةِ الأَمَلِ وَالِازْدِهَارِ، مُسْتَخْدِمًا التَّكْرَارَ الصَّوْتِيَّ عَبْرَ فِعْلِ “قُلْ” لِيُعْطِيَ طَابَعًا خِطَابِيًّا حَمَاسِيًّا، وَتَكْرَارَ النَّفْيِ (لَنْ تُغَادِرَ، لَنْ تَمْضِيَ، لَنْ تُرْمَى) لِيَخْلُقَ لَحْنًا مِنَ التَّحَدِّي وَالثَّبَاتِ الوُجُودِيِّ. دُونَ أَنْ نَنْسَى طَبْعًا لُجُوءَهُ إِلَى التَّضَادِّ، لِيَبْنِيَ نَصَّهُ عَلَى مُقَابَلَاتٍ أُسْلُوبِيَّةٍ مَتِينَةٍ مِنْ قَبِيلِ: (الرُّكَامِ – الفَجْرِ) / (الغَسَقِ – الفَانُوسِ) / (الخَرَابِ – القِطَافِ)، وَذَلِكَ لِتَعْزِيزِ مَفْهُومِ التَّحَدِّي وَالإِبَاءِ وَالمُقَاوَمَةِ عَبْرَ اللُّغَةِ، وَتَثْبِيتِ مَعَانِي بَلَاغَةِ المَاءِ وَالنُّورِ، مِنْ خِلالِ اسْتِعَارَاتٍ تَمْكِينِيَّةٍ كَتِلْكَ الَّتِي ظَهَرَتْ فِي عِبَارَاتِهِ “نَرْسُمُ فَجْرًا”، “تُشِيبُ آهَاتُنَا”، “نَنْسِجُ مِنْ خُيُوطِ الشَّمْسِ جُبَّتَكِ”. وَالَّتِي فِيهَا يَتَجَاوَزُ الأُسْتَاذُ البُهَالِي التَّشْبِيهَ المُبَاشِرَ إِلَى مَرْحَلَةِ “تَجْسِيدِ المَعَانِي”. فَالآهَاتُ تَتَحَوَّلُ إِلَى كَائِنٍ يَشِيبُ، وَالشَّمْسُ إِلَى خُيُوطٍ قَابِلَةٍ لِلنَّسْجِ، مِمَّا يَمْنَحُ النَّصَّ طَابَعًا حَيّاً مُتَحَرّكاً؛ حَيْثُ يُصْبِحُ الخَيَالُ أَدَاةً لِتَرْمِيمِ الوَاقِعِ وَرَسْمِ لَوْحَةٍ تَنْوِيرِيَّةٍ بَدَأَتْ بِالسَّوَادِ (دَيْجُورُ الظَّلَامِ) وَانْتَهَتْ بِالضِّيَاءِ التَّامِّ (خُيُوطِ الشَّمْسِ)، مَعَ حَرَكَةٍ مُسْتَمِرَّةٍ بَيْنَ البَحْرِ وَالبَرِّ، مِمَّا أَعْطَى عُمْقًا مَكَانِيًّا لِلْبَلَاغَةِ الشِّعْرِيَّةِ، وَجَعَلَ القَصِيدَةَ تَمْتَلِكُ نَفَسًا مَلْحَمِيًّا عَمِيقًا؛ فَهِيَ لَيْسَتْ رِثَاءً لِمَدِينَةٍ مَنْكُوبَةٍ فَحَسْبُ، بَلْ هِيَ نَشِيدُ عَوْدَةٍ، يُثْبِتُ أَنَّ الشَّاعِرَ المُؤَرِّخَ هُنَا لَمْ يَدْرُسِ التَّارِيخَ لِيُحَنِّطَهُ فِي الكُتُبِ، بَلْ لِيَسْتَنْهِضَهُ فِي قَصَائِدِهِ بِلُغَةٍ نَقِيَّةٍ، بَعِيدَةٍ عَنِ التَّعْقِيدِ، قَرِيبَةٍ مِنْ نَبْضِ الشَّارِعِ الآسَفِيِّ، وَمُحَمَّلَةٍ بِرُمُوزٍ بَاذِخَةٍ تَجْعَلُ مِنَ الطِّينِ البَسِيطِ مَادَّةً لِلْمُقَدَّسِ، وَمِنْ مُسَاهَمَةِ كُلِّ شَاعِرٍ فِي هَذَا الدِّيوَانِ مَتْحَفاً لُغَوِيّاً حَيّاً يَحْفَظُ لِلْمَدِينَةِ ذَاكِرَتَهَا مِنَ الِانْدِثَارِ. لَقَدِ اسْتَطَاعَ الأُسْتَاذُ سَعِيد البُهَالِي أَنْ يَعْبُرَ بِآسَفِي مِنْ ضِيقِ النَّكْبَةِ إِلَى اتِّسَاعِ الرُّؤْيَةِ، مُتَوِّجاً إِيَّاهَا بِـ “جُبَّةِ الشَّمْسِ” وَ”مِحْرَابِ الطِّينِ” فِي إِشَارَةٍ عِرْفَانِيَّةٍ بَالِغَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى دُخُولِهَا مَقَامَ الوِلَايَةِ وَالصُّمُودِ. إِنَّ نَصَّهُ يُؤَكِّدُ أَنَّ المَدِينَةَ الَّتِي تَقْرَأُ مَاضِيَهَا بِعَيْنِ المُؤَرِّخِ، وَتُعَالِجُ حَاضِرَهَا بِنَفَسِ الشَّاعِرِ، لَا يُمْكِنُ لِلنِّسْيَانِ أَنْ يَطَالَهَا. سَتَظَلُّ آسَفِي هِيَ المُلْتَقَى، وَسَيَبْقَى عَبَقُ طِينِهَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الحُبَّ الأَزَلِيَّ هُوَ المَعْدِنُ الوَحِيدُ الَّذِي لَا تَجْرُفُهُ السُّيُولُ، بَلْ تَجْلُوهُ وَتَزِيدُهُ بَهَاءً عَلَى مَرِّ الدَّوَامِ، وَهِيَ تُرَدِّدُ وَتَقُولُ بِلِسَانِ البُهَالِي:
(قُلْ لِسُيُولِ الشُّعْبَةِ
قُلْ لِسُيُولِ الرَّهْبَةِ:
هَيْهَاتَ لِعَرُوسِ البَحْرِ أَنْ تُضَامَ
أَوْ تُمْسِيَ ذِكْرَى تَحْتَ الرُّكَامِ
مِنْ بَعْضِ وَجَعِهَا نَرْسُمُ فَجْرًا
يَكُونُ ذُخْرًا
نُمِيطُ بِهِ عَنْهَا اللِّثَامَ.
فَالصَّامِدُونَ هَا هُنَا رَتَعُوا
وَالوَالِهُونَ هَاهُنَا رَكَعُوا
فِي حِجْرِ الثُّرَيَّا
قَامُوا خَيْرَ قِيَامٍ.
فِي حِضْنِ الغِيَابِ
لَنْ تُرْمَى حَبَّاتُ عِقْدِكِ
هَبَاءً كَأَنَّنَا نِيَامٌ
وَلَنْ تَمْضِيَ سَبِيَّةَ اللَّئَامِ.
سَنُسْرِجُ مِنْ غَسَقِ اللَّيْلِ
فَانُوسًا
نَدْحَرُ بِهِ دَيْجُورَ الظَّلَامِ.
عَرُوسُ البَحْرِ
قِبْلَةُ المَجْدِ وَالمُلْتَقَى
لَنْ تَشِيبَ آهَاتُنَا
فِي سُهَادِ الانْتِظَارِ.
سَتَزْدَهِرُ فِي حَوَارِيكِ العَتِيقَةِ
أَشْوَاقُ الرَّيَاحِينِ
وَتَرَاتِيلُ المُؤَذِّنِينَ
بِأَحْلَى كَلَامٍ.
يَا حَاضِرَةَ البَحْرِ
يَا عَرُوسَ البَرِّ
لَنْ تَسْكُنَكِ ذِكْرَيَاتُ الخَرَابِ
خَرَابِ السَّائِلِينَ عَنْ مَوْسِمِ القِطَافِ
النَّاعِسِينَ حَتَّى مَوْعِدِ الكَلَامِ.
وَحْدَكِ يَا سَاكِنَتِي… يَا فَاتِنَتِي
يَا حُزْنِي…
وَيَا كَمَدِي
لَنْ تُغَادِرَ النَّوَارِسُ مَرْسَاكِ
وَلَا أَسْرَابُ الحَمَامِ.
سَيَهْطِلُ المَطَرُ فَرَحًا
وَتَنْبُتُ السَّنَابِلُ مِنْ رَذَاذِ المَوْجِ
وَيَتَجَلَّى فِي العَالَمِينَ مَكَانُكِ… وَمَكَانَتُكِ
وَسْطَ الزِّحَامِ.
سَنَنْسِجُ مِنْ خُيُوطِ الشَّمْسِ جُبَّتَكِ
وَنَبْنِي مِنْ عَبَقِ الطِّينِ مِحْرَابًا
نُرَتِّلُ فِيهِ حُبَّكِ الأَزَلِيَّ
عَلَى الدَّوَامِ.).
والآنَ بِكُلِّ خُشُوعِ العَابِرِ فِي مَلَكُوتِ الكَلِمَةِ، وَبِأَنَامِلَ تَتَحَسَّسُ نَبْضَ الحُرُوفِ كَمَا يَتَحَسَّسُ العَارِفُ سِرَّ الوُجُودِ، أُغْلِقُ دِيوَانَ (وَجَع المَاءِ)، لَكِنَّنِي لَا أُغْلِقُ القَلْبَ عَنْ صَدَاهُ. لَقَدْ كَانَتْ رِحْلَتِي بَيْنَ دَفَّاتِهِ سَفَراً فِي بَرْزَخِ المَاءِ، حَيْثُ تَلَاشَتِ الحُدُودُ بَيْنَ الفَاجِعَةِ وَالتَّجَلِّي، وَبَيْنَ سُيُولِ الطِّينِ وَسُيُولِ الوَجْدِ.
إِنَّ هَذَا الدِّيوَانَ، بِمَا حَمَلَهُ مِنْ أَنْفَاسِ شُعَرَاءِ آسَفِي، لَمْ يَكُنْ مُجَرَّدَ تَوْثِيقٍ لِلَيْلَةٍ دُجَنْبَرِيَّةٍ قَاسِيَةٍ جَرَفَتِ الحَجَرَ، بَلْ كَانَ غُسْلًا عِرْفَانِيّاً لِلذَّاكِرَةِ. لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ خِلَالِ القَصَائِدِ كَيْفَ يَتَحَوَّلُ (وَجَعُ المَاءِ) إِلَى (طَهُورِ الرُّوحِ)؛ فَالْمَاءُ الَّذِي هَدَمَ الجُدْرَانَ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَهْدِمَ مِحْرَابَ الإِيمَانِ المَنْقُوشَ فِي صُدُورِ السَّاكِنَةِ. بَلْ لَعَلَّ تِلْكَ السُّيُولَ كَانَتْ رِسَالَةً جَلَالِيَّةً أَرَادَتْ أَنْ تُعِيدَ لِلْمَدِينَةِ وَجْهَهَا الأَزَلِيَّ، وَتُذَكِّرَهَا بِأَنَّ مَعْدِنَهَا مِنَ الطِّينِ المُقَدَّسِ الذي لَا يَنْكَسِرُ، بَلْ يَتَشَكَّلُ كُلَّمَا زَادَتْ حَرَارَةُ الاِبْتِلَاءِ.
حِينَمَا تَأَمَّلْتُ سُطُورَهُ، وَجَدْتُ أَنَّ كُلَّ شَاعِرٍ كَانَ “مَجْذوباً” بِطَرِيقَتِهِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ حَوَّلَ مَرَارَةَ الفَقْدِ إِلَى شَهْدِ الصَّبْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَسَجَ مِنْ عَجِيجِ الرَّعْدِ تَرَاتِيلَ بَقَاءٍ. لَمْ تَكُنْ آسَفِي لَيْلَتَهَا مَدِينَةً مَنْكُوبَةً، بَلْ كَانَتْ مَقَاماً لِلْمُجَاهَدَةِ، حَيْثُ اصْطَفَّتِ القُلُوبُ قَبْلَ السَّوَاعِدِ لِتَبْنِيَ مَا هَدَّمَهُ السَّيْلُ. هَذَا الدِّيوَانُ هُوَ تَمِيمَةُ البَعْثِ؛ فَهُوَ يُثْبِتُ أَنَّ الشِّعْرَ لَيْسَ تَرَفاً، بَلْ هُوَ سَفِينَةُ نُوحٍ (ع) التي حَمَلَتْ بَقَايَا الذِّكْرَيَاتِ لِتَرْسُوَ بِهَا عَلَى جُودِيِّ الأَمَلِ.
إِنَّ عَبَقَ الطِّينِ الَّذِي فَاحَ مِنْ بَيْنِ القَصَائِدِ لَيْسَ إِلَّا طِيبَ الأَرْضِ حِينَ تَتَعَانَقُ مَعَ السَّمَاءِ فِي لَحْظَةِ صِدْقٍ كَوْنِيَّةٍ. سَتَظَلُّ تِلْكَ اللَّيْلَةُ مِنْ 14 دُجَنْبَر 2025 نُقْطَةً فِي بَحْرِ تَارِيخِ هَذِهِ المَدِينَةِ العَظِيمَةِ، لَكِنَّ هَذَا الدِّيوَانَ جَعَلَ مِنْ تِلْكَ النُّقْطَةِ دَائِرَةً عِرْفَانِيَّةً لَا تَنْتَهِي، تُعَلِّمُنَا أَنَّ الفَنَاءَ ظَاهِرٌ، وَأَنَّ البَقَاءَ لِلْحُبِّ الأَزَلِيِّ. آسَفِي اليَوْمَ، بِفَضْلِ هَذَا المَدَدِ الشِّعْرِيِّ، لَا تَرْتَدِي ثِيَابَ الحِدَادِ، بَلْ تَرْتَدِي “جُبَّةَ الضِّيَاءِ”، وَتَقِفُ شَامِخَةً كَمَنَارَةٍ هَدَاهَا السَّيْلُ إِلَى سِرِّ نُورِهَا المَكْنُونِ. فَسَلَامٌ عَلَى المَاءِ حِينَ يُوجِعُ لِيُحْيِيَ، وَسَلَامٌ عَلَى الشِّعْرِ حِينَ يَكُونُ هُوَ المَلَاذَ وَالقِيَامَةَ. وَسَلامٌ عَلَى الَّذِينَ غَسَلَ المَاءُ أَعْتَابَهُمْ، فَمَا زَادَهُمْ إِلَّا نَقَاءً، وَعَلَى القُلُوبِ الَّتِي ارْتَجَفَتْ تَحْتَ هَوْلِ الصَّيْحَةِ، فَآوَتْ إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ مِنَ اليَقِينِ.
يَا أَهْلَ آسَفِي، يَا جِيرَانَ البَحْرِ وَحُرَّاسَ الطِّينِ العَتِيقِ؛ لَمْ يَكُنِ المَاءُ الَّذِي زَارَكُمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الدُّجَنْبِرِيَّةِ عَدُوّاً، بَلْ كَانَ مَاءَ المَلَامَةِ الَّذِي يَجْلُو صَدَأَ الغَفْلَةِ لِيُظْهِرَ جَوْهَرَ الصَّبْرِ. فَاللَّهُمَّ يَا مَنْ جَعَلْتَ مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ، اجْعَلْ “وَجَعَ المَاءِ” فِي قُلُوبِهِمْ بَرْداً وَسَلَاماً، وَحَوِّلْ غُبَارَ الرُّكَامِ فِي أَزِقَّتِهِمْ إِلَى كُحْلٍ تُبْصِرُ بِهِ الأَرْوَاحُ مَوَاطِنَ الجَمَالِ الخَفِيِّ. يَا رَبَّ المَحَارِيبِ وَالخَوَانِقِ، أَنْبِتْ مِنْ مَسَالِكِ السُّيُولِ رَيَاحِينَ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ، وَاجْعَلْ كُلَّ قَطْرَةٍ هَطَلَتْ شَاهِدَةً لَهُمْ لَا عَلَيْهِمْ، وَاكْسِهُمْ مِنْ أَنْوَارِ اسْمِكَ “الرَّؤُوفِ” جُبَّةً لَا تَبْلَى، وَمِنْ صَلَابَةِ اسْمِكَ “المَتِينِ” سُوراً لَا يُقْهَرُ.
سَلَامٌ عَلَى مَدِينَةٍ تَذُوقُ المِلْحَ وَتُعْطِي الشَّهْدَ، سَلَامٌ عَلَى أَيْدٍ تَعْجِنُ الطِّينَ بِالتَّسْبِيحِ، وَتَنْسِجُ مِنَ الخَرَابِ فَجْراً جَدِيداً. لَقَدْ كُنْتُمْ، وَسَتَظَلُّونَ، مَقَاماً لِلْعِشْقِ وَالتَّحَدِّي، حَيْثُ يَهْزِمُ “عَبَقُ الطِّينِ” رَائِحَةَ الفَنَاءِ، وَيَبْقَى الحُبُّ الأَزَلِيُّ هُوَ الشِّرَاعَ الَّذِي لَا يَمِيلُ.




