عصام أوهاب
في الوقت الذي تُنادي فيه خطب رسمية ودعوات إصلاحية بضرورة ضخ دماء جديدة في دواليب الإدارة المغربية، يواجه هذا التوجه عقبة غير تقليدية لكنها آخذة في الاتساع: عزوف عدد من الكفاءات المهنية عن الترشح لمناصب المسؤولية بسبب التشهير الإلكتروني والمس بالحياة الخاصة من طرف “أشباه الصحفيين” عبر منصات التواصل الاجتماعي.
عدد من الأطر الإدارية، الذين راكموا تجربة مهنية معتبرة داخل قطاعاتهم، يُفضلون الاستمرار في أداء وظائفهم بعيدا عن الأضواء، على أن يصبحوا ضحية لحملات ممنهجة تستهدف سمعتهم وأسرهم، بمجرد الإعلان عن ترشحهم لمنصب مسؤولية، سواء كان رئيس مصلحة أو مديرًا إقليميًا أو حتى كاتبًا عامًا.
يقول أحد الأطر الإدارية، الذي طلب عدم الكشف عن هويته:
“جميع شروط الترقي متوفرة لدي، بل شجعتني الإدارة على الترشح لمنصب مسؤول، لكن بمجرد ما بدأ اسمي يُتداول، بدأت تصلني تهديدات غير مباشرة بنشر معطيات شخصية وصور خاصة. فضّلت الانسحاب بهدوء، فكرامتي وسلامتي النفسية أهم.”
هذا المثال ليس معزولًا. فقد أضحى مشهد السب والقذف في حق مسؤولين إداريين – أحيانًا حتى قبل أن يُباشروا مهامهم – أمرًا متكررًا في منصات “فايسبوك” و”تيك توك”، حيث ينشط بعض الأفراد الذين يزعمون امتلاك صفة “صحفي” دون ترخيص مهني أو التزام بأخلاقيات المهنة.
رغم وجود ترسانة قوانين جنائية تُجرّم التشهير، إلا أن السرعة الفائقة لانتشار المحتوى الرقمي تقابلها بطء في الإجراءات القانونية، ما يجعل الضحايا عُرضة لأضرار نفسية واجتماعية كبيرة قبل أن يتم إنصافهم
وفي غياب أو بطئ تدخل حازم من السلطات المعنية لتنظيم المجال الرقمي وضبط مهنة الصحافة الإلكترونية، فإن العديد من الكفاءات تُفضل الابتعاد عن “رأس القائمة”، خوفًا من أن تتحول من كفاءة يُفترض أن تساهم في الإصلاح الإداري، وتحقيق التنمية المستدامة ،إلى اسم يتصدر “ترندات الفضائح”.
المفارقة أن الإدارات العمومية، التي لطالما اشتكت من قلة الكفاءات في مواقع القرار، تجد نفسها الآن محاصرة بمعضلة جديدة: توفر الكفاءة، لكن غياب الرغبة في الترشح بسبب الخوف من التشهير.
ويُحذر بعض المهنيين من أن هذا الوضع قد يُفضي إلى اختيار مسؤولين بناءً على “الجرأة على تحمل التشهير” وليس بناءً على الكفاءة والخبرة، ما يضرب جوهر الإصلاح الإداري في مقتل.
يبقى السؤال المطروح: إلى متى ستظل المنصات الاجتماعية فضاءً مفتوحًا لتصفية الحسابات والمس بالحياة الخاصة للناس دون رادع؟
وهل حان الوقت لتسريع إخراج “ميثاق أخلاقي للإعلام الرقمي” وتنفيذه بشكل حازم، لحماية الأفراد، وصون كرامتهم، وتحفيز الكفاءات على الانخراط في مناصب المسؤولية دون خوف أو ابتزاز؟
إن معالجة هذه الظاهرة ليست فقط قضية قانونية أو مهنية، بل مسألة مرتبطة بمستقبل الإدارة المغربية وثقة الأطر في الدولة ومؤسساتها.




