خطة إنعاش الاقتصاد الوطني ما بعد جائحة فيروس كرونا المستجد..تصور حزب جبهة القوى الديمقراطية

أخبار المملكة – تصور حزب جبهة القوى الديمقراطية لخطة إنعاش الاقتصاد الوطني ما بعد جائحة فيروس كرونا المستجد.

وجهت جائحة كورونا، وما رافقها من عمليات الإغلاق الاقتصادي، والتباعد الاجتماعي، ضربة مؤلمة للاقتصاد الوطني، الذي يرتكز على الاستهلاك، وعلى قطاعات ذات حساسية مفرطة مثل التجارة والسياحة. وذلك في ظل سنة فلاحية صعبة بفعل الجفاف وتهديدات الجراد، وفي سياق دولي أصعب، يعاني من التبعات الكارثية للجائحة على الاقتصاد العالمي، وخصوصا بالنسبة لشركاء المغرب الاقتصاديين، ومصدر أهم التحويلات التي يستفيد منها.

وإذا كان من الصعب على الحكومة المغربية التركيز، في البداية، على التفكير على المدى الطويل، حيث كان يتعين عليها العمل في حالات الطوارئ لتلبية الاحتياجات الدقيقة والحيوية، من أجل تعزيز قدرة المنظومة الصحية، وتأمين وحماية الأسر المحتاجة، وضمان بقاء المقاولات، إذ لجأت للقيام بذلك، عبر أداة تمويل سريعة، إلى استخدام خط الوقاية والسيولة للحصول على قرض بقيمة ثلاثة مليارات دولار من صندوق النقد الدولي، فإن المطلوب اليوم، بعد نجاح التدابير الاحترازية في تجنيب بلادنا أسوأ ما في الأزمة الصحية، هو اتخاذ خطوات لتسريع وتيرة التعافي الاقتصادي، والعمل على التخفيف من الآثار السلبية طويلة الأجل، التي تلوح في الأفق.

إننا اليوم في غير حاجة للتأكيد على أهمية التفكير الاستباقي للخروج من هذه الأزمة، من خلال وضع خطة طموحة لإنعاش الاقتصاد الوطني. والتي ستشكل لا محالة رافعة مهمة تمكن، في الوقت نفسه، من تسريع إعادة استئناف النشاط الاقتصادي الوطني، وتقوية قدراته الاستشرافية في عالم ما بعد الجائحة. بما تتيحه من فرص مواتية لحل بعض المشاكل الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد الوطني، والتي عملت الجائحة على إبرازها، مثل القطاع غير المهيكل وضعف الحماية الاجتماعية. والعمل في نفس الوقت على تهييء المغرب للتكيف مع إعادة التشكيل الجديدة لسلاسل القيمة العالمية، من خلال استقطاب، وعلى نطاق واسع، الاستثمارات الدولية التي تبحث عن مراكز إنتاج جديدة قريبة من الأسواق الاستهلاكية.

سياسة الإنفاق العام لإنعاش الاقتصاد الوطني

تشكل الخيارات التي ستتخذها الحكومة لإحياء وإنعاش الاقتصاد الوطني ما بعد الجائحة نافذة أمل كبيرة لإعادة بناء أفضل لهذا الاقتصاد، وتصحيح اختلالاته الكبرى. وللنجاح في تحقيق الانتعاش الاقتصادي بعد الجائحة، يجب فهم مسببات فشل خطط الانتعاش الاقتصادي السابقة في المغرب، حيث هناك عوامل تفسر هذا الفشل نذكر منها ما يلي:

  • غياب رؤية سياسية للحكومة واضحة الأهداف والاختيارات، وقادرة على التدبير الحيوي لمشاكل الاقتصاد الوطني، وفق مقاربة شمولية دامجة للاستراتيجيات القطاعية؛
  • ضعف الاستقلالية في مواجهة التقلبات المناخية والعجز عن إيجاد حل لهذا المشكل في إطار برنامج المغرب الأخضر؛
  • ضعف مساهمة الصناعة في خلق الثروة والذي يجد تفسيره الواضح في توجهها نحو التصدير في حين أن السوق الوطنية تستورد كميات أنواعا كثيرة من المنتجات تامة الصنع؛
  • اعتماد القطاع الثالث على الكم وليس على الكيف، وعلى القيمة المضافة، وضعف النتائج المحققة في إطار استراتيجيات هذا القطاع؛
  • مشاكل تعبئة وتوفير العقار المحفز للاستثمار المنتج للقيمة المضافة بسبب ندرة الأرض والبنية العقارية المعقدة؛
  • نقص السيولة ومشاكل التمويل وعدم انخراط القطاع البنكي في دينامية تمويل الاقتصاد الوطني ومواكبة الاستثمار الخاص؛
  • ضعف تكوين وتأهيل اليد العاملة الوطنية بما يؤدي إلى فقدان القدرة على المنافسة؛
  • العجز الهيكلي المزمن في الميزان التجاري وضعف التدبير الوطني لسياسة الانفتاح التجاري والتبادل الحر؛

غير أنه على الرغم من كل المشاكل والعوائق المشار إليها أعلاه فإن ثمة مشكلة عويصة ترتبط بالعشرية الأخيرة وترتبط بسياسة التقشف الاقتصادي، التي مارستها الحكومة بتوجيه من خطة إعادة هيكلة مؤسسات الائتمان الدولية التي تحصل منها البلاد على التمويل. حيث أدت هذه السياسة الاقتصادية التقشفية إلى إنتاج ثلاث معوقات رئيسية أمام مسيرة التنمية الوطنية، وهي:

  1. تدمير الطلب الوطني؛
  2. تباطؤ الاستثمار؛
  3. إيقاف الإصلاح الإداري.

ونحن في حل من تبيان عدم فعالية سياسات التقشف الاقتصادية على نطاق واسع، في حالات أزمات بلدان عدة مثل اليونان والبرتغال وغيرها، فإن اختيار التقشف يجب استبعاده فيما يتعلق بتدبير المالية العمومية، في سياق هذه الجائحة وما بعدها، خصوصا ونحن نستحضر حصر الحكومة لبعض نفقات التسيير في الميزانية العامة وبعض القطاعات والمؤسسات والمقاولات العمومية من أجل إعادة استعمالها، في سياق حديثها عن تأجيل نفقات عمومية ترتبط بالأساس بترقية الموظفين.

إن مثل هذه التدابير تجعلنا ننبه، على الرغم من التصريحات الحكومية المطمئنة بكون اختيار سياسات التقشف غير مطروحة للنقاش، ومن كل التدابير التي اتخذتها للحفاظ على مناصب الشغل، ودعم القدرة الشرائية للمواطنين، ودعم النسيج الإنتاجي المتضرر، إلى خطورة أن تتحرك الحكومة من جديد نحو سياسات التقشف الاقتصادي، التي سبق للبلاد أن ذاقت ويلاتها في برنامج التقويم الهيكلي، سيما كما قلنا في ظل وجود بعض التدابير والمؤشرات، التي تؤكد بوجود مثل التفكير في التدبير العمومي.

إن منظورنا في جبهة القوى الديمقراطية لإنعاش الاقتصاد الوطني يرتكز على دعم الاستهلاك، والحفاظ على وتيرة مستقرة للاستثمار العمومي، بما يمكن أن يمثله هذا الأخير من أداة حاسمة للانتعاش الاقتصادي، نظرا لتأثيره المضاعف على النمو الاقتصادي. إذ ينبغي التأكيد على ثماره متوقفة على ضرورة تدبيره بطرق مختلفة عما سبق، وذلك لجعل آثاره على الاقتصاد الوطني في حدودها القصوى، والحد من اللجوء إلى الواردات، وما لذلك من نتيجة طبيعية على استنزاف الاحتياطيات الوطنية من العملة الصعبة.

إن منظورنا لإنعاش الاقتصاد الوطني يقتضي تدبير حيوي لسياسة الإنفاق العام، في إطار قانون مالية معدل، يرتكز إلى على إعادة النظر في الأغلفة المالية لمختلف الإدارات والمؤسسات، وفق الأولويات التي ستمكن من إرساء تدبير أمثل للإنفاق العمومي، وتشجيع المقاولة المغربية عبر تحفيز نظام التفضيل الوطني«la préférence nationale» ، مع التأكيد على أن السياسة الاقتصادية التوسعية ضرورية للأمل في الانتعاش الاقتصادي الوطني، مع ما يقتضيه ذلك من تعبئة موارد إضافية لمكافحة فعالة لآثار هذه الجائحة، حتى ولو تطلب الأمر عدم الالتزام الأرثدوكسي بالتوازنات الماكرو اقتصادية.

 مقترحات لإنعاش الاقتصاد الوطني في أفق 2021:

من أجل بلوغ أهداف إنعاش الاقتصاد الوطني من الضروري الاستثمار من أجل تحفيز الطلب الداخلي على الاستهلاك وتشجيع الصادرات. غير أن هذا لن يتحقق بالشكل المطلوب في ظل الوضع الهش لسوق الشغل بالمغرب، الذي تطبعه البطالة الهيكلية طويلة الأمد، إضافة إلى غياب موارد بشرية مؤهلة، خصوصا بالنسبة للتحرك في اتجاه إرساء صناعة منتجة للقيمة المضافة.

والواقع أن سوق الشغل بالمغرب غير قادر على استيعاب البطالة الهيكلية في المتوسط ​​حوالي 10.5٪، خصوصا مع وجود معدل فقر مرتفع، تؤكد بعض الإحصائيات المتوفرة بأن 45% من الغاربة يعانون الحرمان الشديد. فبالأحرى أن يستوعب الوضعية الراهنة، التي خلفتها تداعيات الجائحة على التشغيل، حيث قد تكون (حسب أرقام المندوبية السامية للتخطيط التي قامت بإنجاز بحث نوعي لدى المقاولات المنظمة بهدف تقييم الأثر المباشر لهذه الأزمة على وضعية المقاولات بالمغرب) أن 27٪ من المقاولات اضطرت إلى تخفيض اليد العاملة بشكل مؤقت أو دائم. ووفقا لنتائج البحث، قد يكون تم تخفيض ما يقارب 726000 منصب شغل أي ما يعادل 20٪ من اليد العاملة في المقاولات المنظمة.

وحسب نفس الأرقام فإن القطاعات الأكثر تضررا من حيث تقليص اليد العاملة قد تشمل بالأساس قطاع الخدمات بما يقارب 245000 منصب شغل، أي بنسبة 17,5٪ من إجمالي عدد المشتغلين في هذا القطاع. يليه قطاع الصناعة بتخفيض 195000 منصب شغل أي ما يمثل 22٪ من اليد العاملة في هذا القطاع، ثم نجد قطاع البناء الذي قد يكون سجل انخفاضا في مناصب الشغل بنسبة 24٪ أي ما يعادل تقريبا 170000 منصب خلال هذه الفترة.

انطلاقا من هذا الوضع يجب أن تركز خطة الحكومة لإنعاش الاقتصاد الوطني في أفق 2021، أي في المنظور القصير المدى، على إنعاش سوق الشغل ومحاولة الحفاظ على معدلات البطالة والفقر الحالية، وذلك من خلال اتخاذ أو مواصلة اعتماد الإجراءات المحتملة التالية:

  • تخفيض جديد لسعر الفائدة الرئيسي وتمديد آجال قروض إعادة التمويل الموجه للتشغيل والاستثمار؛
  • إلغاء الفائدة على القروض البنكية لفائدة الشركات الصغيرة والمتوسطة التي توجد في وضعية مالية هشة؛
  • إلغاء الفائدة على القروض البنكية قصيرة الأجل لفائدة الأسر والأفراد ذوي الدخل المنخفض؛
  • مواصلة تعبئة مساهمة الدولة في دفع أجور الشركات التي تواجه صعوبات؛
  • مساهمة الدولة في إحياء النشاط السياحي عبر التمويل الجزئي لدعم الطلب على السياحة الداخلية؛
  • حماية المحصول الزراعي الجديد وتنظيم قنوات التوزيع ومكافحة تهريب المواد الغذائية.

مقترحات لإنعاش الاقتصاد الوطني في أفق 2025:

يشكل إصلاح الأضرار التي سببتها جائحة فيروس كورنا المستجد للاقتصاد الوطني تحد رئيسي يواجه بلادنا بمختلف مكوناتها، حيث يتعين، في منظورنا، اتخاذ تدابير على المدى القصير والمتوسط، في أفق سنة 2025، من أجل إنعاش الاقتصاد الوطني، في محاور ترتبط بتحفيز القطاع الخاص وتأهيل دور الدولة، وذلك بالتركيز على اختيارات استراتيجية هادفة، وذات صلة بالقطاعات التي تشكل عصب النسيج الاقتصاد الوطني، الأكثر تأثرا بفعل الجائحة، والتي يؤدي إنعاشها إلى تأثير مباشر على قطاعات أخرى من النشاط الاقتصادي والاجتماعي الوطني.

إعادة تكييف دور وتدخلات الدولة في التنمية:

فتحت الخلاصات المؤقتة لجائحة كرونا الباب أم الحديث عن تحولات نوعية غير مسبوقة في مسار الإنسانية، جاءت ضد المد الجاري منذ عقود في النظام الدولي، وتوجهاته العقائدية والإيديولوجية، التي تغطرست في الدفاع عن دور الفرد والقطاع الخاص والمبادرة الشخصية، لذلك فإننا في جبهة القوى الديمقراطية، وبعيدا عن كل طرح دغمائي، نؤكد أن إعادة إنتاج نفس التوجهات ميكنزمات تصريف الأزمات السابقة، بمعنى تعبئة أموال الخزينة ودافعي الضرائب، وتوزيعها على الشركات ومقاولات القطاع الخاص، دور أثر مباشر على الفئات الاجتماعية المتضررة، ليس في تصورنا العام.

لذلك نحن نقترح العمل على إعادة تكييف تدخلات الدولة، وفق ما تقتضيه التنمية، للمساهمة في تحقيق انتعاشة اقتصادية، عبر تأطير ومصاحبة القطاع الخاص، على المدى القصير والمتوسط، في المحاور الأربعة الرئيسية التالية:

  • إحداث دخل قار غير مشروط لجميع المغاربة من أجل محاربة الفقر والتفاوتات الاجتماعية المهولة، وتمويله عبر نظام مرن يعتمد على إحداث ضريبة على الثروة وتعبئة جزء من الضرائب الموجودة؛
  • إصلاح مناخ الأعمال وتحفيز الاستثمار عبر دعم المقاولات المغربية في التحول المجتمعي، ودعمها على تحمل المسؤولية الاجتماعية وتفعيل مخططات الإصلاح الوطني المرن والفعال للقوانين والقضاء والرقمنة والجباية؛
  • إدماج القطاع غير المهيكل في النسيج الاقتصادي الوطني الرسمي عبر اعتماد خطة تراعي خصوصيات هذا القطاع، وتفرق بين مكوناته المرتبطة بأنشطة التهرب الضريبي والأنشطة المعاشية؛
  • تحقيق الانتقال الإداري بما يعيد تصميم وظائف الإدارة العمومية، وتأهيل نظام الوظيفة العمومية، عبر توظيف المهارات الجديدة، المعتمدة على التكنولوجيا الحديثة والمتقدمة، وتحفيز الكفاءة وتجويد الأداء الإداري وتخفيض كلفته؛
  • إنجاز مهام التحول الرقمي، عبر إنعاش مخطط المغرب الرقمي أو إحداث مخطط آخر، ممول من لدن الدولة وتشجيع المبادرة والاستثمار الخاص في المجال الرقمي؛
  • بلوغ أهداف التحول الطاقي للمغرب المتعلق تطوير أنظمة الطاقة في مجالات التنمية الاقتصادية والنمو، والاستدامة البيئية، وأمن الطاقة ومؤشرات النفاذ والوصول، وكذلك الاستعداد العام للتحول إلى نظام للطاقة الآمنة والمستدامة والشاملة ومعقولة التكلفة.

تحفيز القطاع الخاص والمبادرة الوطنية الخاصة للاستثمار:

لعب القطاع الخاص المغربي دوره المجتمعي بشكل جيد خلال جائحة فيروس كورنا المستجد، إذ لا يمكن لأحد أن ينكر الدور الاجتماعي والاقتصادي على مستوى التعبئة الوطنية فيما يتعلق بإجراءات الرفع من قدرات منظومة الصحة العمومية، وتوفير مستلزمات وشروط تنفيذ التدابير الاحترازية، من خلال توفير التموين الأساسي الضروري للأسر، وتوفير مواد التعقيم والتطهير والكمامات، والنقل، وعموم التدابير المنخرطة في السياسة الوطنية للحد والتخفيف من التداعيات الوخيمة للجائحة الاجتماعية والاقتصادية.

غير أن القطاع الخاص المغربي، وإلى جانب الضرر الذي لحقه في جانب القدرة الحفاظ على مناصب الشغل، حيث أن (حسب تصريحات لوزير الشغل السيد محمد أمكراز) أن 131 ألفا و955 مقاولة (شركة)، من أصل 216 ألفا، منخرطة في صندوق الضمان الاجتماعي، ، تضررت جراء كورونا، وهو ما يشكل 61% من إجمالي عدد المقاولات، غير أنه إضافة إلى ذلك يعاني القطاع الخاص، وبشكل رئيسي مجموعات الأشغال الكبرى، من عوائق واختلالات في  الصفقات والسوق العمومية، ومن غياب شروط المنافسة العادلة، وعدم وجد محفزات لدعم جهودها في دعم والحفاظ على القوة الشرائية للأسر، على اعتبار النسبة المهمة، التي تساهم بها الأجور في القيمة المضافة، من خلال اقتصاد الإيجار.

على هذا الأساس يمكن لرأس المال الخاص الوطني القيام بأربعة إجراءات أساسية على المدى القصير والمتوسط:

  • دعم القوة الشرائية للأسر من خلال إقامة انتقال تدريجي لنظام الأجور، من خلال إطلاق حوار اجتماعي بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين والاقتصاديين، بهدف الرفع من معدل نسبة مساهمة الأجور من القيمة المضافة، مع اتخاذ تدابير مصاحبة للتحكم في معدل التضخم؛
  • إنعاش خطة حكومية فعالة لإنهاء الاحتكارات والتكتلات الاحتكارية، وتخليق الصفقات العمومية بناء معايير الشفافية والانصاف، وتجويد نظام المشتريات العمومية، ومحاربة كل أشكال الريع والمحسوبية والتهرب الضريبي التي تكدس الثروة في أيدي من لا يساهمون في خلقها وتقتل المنافسة؛
  • إنعاش خطة لتشجيع المقاولات الصغرى والمتوسطة وتحفيز استثمارات الشباب المنتجة للقيمة المضافة، خصوصا في مجالات اقتصاد المعرفة، عبر دفع القطاع البنكي لينتقل إلى وضع الشريك في تمويل الاقتصاد الوطني، وبناء نظام حماية وطنية لتمكين هذه المقاولات من شروط التنافسية؛
  • تحصين المسؤولية الاجتماعية للمقاولة المغربية ما بعد الجائحة، حيث يمكن تقديم مساهمة في الميزانية العامة لخزينة الدولة في شكل ضريبة المسؤولية الاجتماعية، تخصص للقطاعات الاستراتيجية والرئيسية للتنمية الوطنية، من قبيل التعليم والصحة والطاقة والنقل وغيرها.

اختيارات قطاعية في صلب رؤية شمولية لتجاوز تداعيات الجائحة:

لرسم سياسة شمولية فعالة لتجاوز تداعيات الجائحة وتحقيق الانتعاش الاقتصادي يتعين بناء أولويات قطاعية، على أساس قدرتها على التحفيز السريع للقطاعات الاقتصادية الأخرى هي محور خطتنا الوطنية للتعافي الاقتصادي على المدى القصير والمتوسط. من هذا المنطق، تبدو قطاعات الزراعة والسياحة وصناعة البناء كقطاعات حقيقية لتعزيز آلتنا الإنتاجية والاقتصادية. حيث يبدو أن هناك حاجة إلى إجراءات قصيرة المدى لتحفيز هذه القطاعات، التي يتعين على بلادنا الاعتماد عليها للسماح لاقتصادنا بالعودة إلى مسار النمو.

وغني عن القول أن هذه القطاعات الرئيسية للاقتصاد المغربي لم تنج هي الأخرى من الآثار الكارثية لتداعيات الجائحة، ومن ثم الحاجة الملحة إلى وضع تدابير فعالة لإنعاشها. إذ سيكون لتنشيط قطاع البناء آثار إيجابية على قطاعات أخرى، مثل النقل والصناعة، إذ أن نصف الاستثمارات الموجهة لهذا القطاع، ستكون من أجل توليد الآثار المتوقعة على باقي القطاعات الاقتصادية المرتبطة المنتجة لفرص الشغل. حيث سيعمل نظام التفضيل الوطني«la préférence nationale» ، في جميع العقود العامة، والمتطلبات الصارمة لأوقات الاستجابة والدفع لأصحاب المشاريع، على تعزيز حيوية واستجابة هذا القطاع لمتطلبات الانتعاش والنمو.

وبالمثل، ينبغي التفكير في تقديم دعم كبير لدعم قطاع السياحة الوطني، الذي تأثر بشدة بهذا الوباء. وبهذا المعنى، فإن تشجيع السياحة الداخلية هو مراجعة العرض الوطني وتعزيز الوجهات والإمكانات المحلية، وتشكل تدابير ذات أولوية يتعين تنفيذها للاستفادة من الأثر المحفز لهذا الفرع الاقتصادي، قادرة على خلق فرص عمل، ويكون لها تأثير إيجابي على الأنشطة الأخرى مثل النقل.

وفي نفس السياق يقدم القطاع الفلاحي نفسه كرافعة اقتصادية، تم إضعافها بسبب عدم انتظام هطول الأمطار، إضافة إلى تداعيات الجائحة. حيث يتعين على بلدنا أن يقدم له اهتماما خاصا، ودعما قويا، من أجل ضمان انتعاش الاقتصاد. ومن بين التدابير الرئيسية التي يجب النظر فيها، على وجه السرعة، لرفع مردودية هذا القطاع الحيوي، وضع سياسة زراعية تسمح بضمان المزيد من الاستقلال الذاتي الغذائي، وتلبية احتياجات الضرورة الأساسية، وتحسين المعروض من المنتجات الزراعية، وذلك زيادة على محاربة تهريب المواد الغذائية، وتقليص آثارها وخطرها على الصحة العمومية.

خاتمة:

يتعين التأكيد أن منظورنا لإنعاش الاقتصاد الوطني، عبر تقديم بعض المقترحات التي ينبغي تنفيذها على المدى القصير والمتوسط، لا يحجب علينا رؤية المستقبل البعيد لآفاق التنمية ببلادنا، والتي ينبغي اعتماد ولوجها عبر تعزيز الخيار الديمقراطي، ومباشرة الإصلاحات الضرورية، السياسية والمؤسساتية، لبلورة أوراش الدستور الكبرى، وتأويل مضامينه المتقدمة، تأويلا ديمقراطيا.

إن تصور المستقبل المأمول لمغرب ما بعد الجائحة بكل تفاؤل وأمل، يقتضي تعزيز الثقة في الاختيارات الكبرى والمهيكلة، التي تسمح بتحقيق الانتقالات الديموغرافية والمعرفية والتكنولوجية والأيكولوجية والطاقية، لتأهيل الإنسان المغربي استراتيجيا في مجالات التربية والتعليم والتكوين والصحة والثقافة، لولوج عالم اقتصاد المعرفة.

لذلك تكون جائحة فيروس كورنا المستجد بتأثيراتها السلبية الكبيرة والكثيرة، فرصة تاريخية يتعين تحويلها إلى قوة دافعة للتفكير، ليس فقط، في آليات إنجاز خطة الانتعاش الاقتصادي في المستقبل القريب، بل في مغرب ما بعد 2030، الذي ستعيش فيه الأجيال القادمة من أبناءنا.

Share this:

  • Related Posts

    القضاء يدين مبديع بـ 13 سنة سجنا نافذا في ملف تبديد أموال عمومية

    في واحدة من أكثر القضايا التي تابعتها الأوساط السياسية والقضائية باهتمام واسع، أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء الستار على ملف الرئيس السابق لجماعة الفقيه بنصالح، محمد مبديع،…

    “حمى” انتخابات 2026 تجتاح الجماعات.. تقارير الداخلية ترصد “حملات سابقة لأوانها” لرؤساء جماعات وبرلمانيين

    الرباط – أخبار المملكة مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية لسنة 2026، كشفت مصادر مطلعة عن وجود استنفار داخل مصالح وزارة الداخلية، إثر رصد تحركات وصفت بـ”المشبوهة” لعدد من رؤساء الجماعات…

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *