بودكو..التعليم عن بعد في زمن كورونا ما بين الايجابيات والسلبيات

ذة.سعاد بودكو

في ظل الظروف الاستثنائية العصيبة التي تمر بها بلادنا المغرب والعالم أجمع على خلفية تفشي فيروس كورونا المستجد 19covid، توقفت عجلة الحياة الطبيعية، أُغلقت الحدود وتوقفت أهم الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية، ولجأت الدولة إلى اتخاذ عدة تدابير احترازية ووقائية للحد من تداعيات هذا الوضع.
وقد ألقت هذه الأزمة بظلالها أيضا على قطاع التعليم كما حصل مع باقي القطاعات، الأمر الذي أوقف عملية التعليم الحضوري بكل المدارس والكليات والجامعات، التي أَغلقت أبوابها كخطوة استباقية للتقليص من خطر انتشار هذا الفيروس الخطير. وهذا ما أحدث نوعا من القلق في صفوف العاملين بهذا القطاع على وجه خاص، وسبب تخوفا كبيرا في صفوف المتعلمين خصوصا منهم تلامذة الأقسام الإشهادية، فكان لزاما على وزارة االتربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي المغربية إيجاد حل بديل وبأسرع وقت ممكن، فتم اعتماد “التعليم عن بعد” كاستراتيجية مرحلية حرصا منها على تدبير العملية التعليمية في أحسن الظروف وتأمينها، لضمان الجودة لهذا الحق الأساسي بمجموع الإمكانيات المتاحة (قنوات تلفزية، منصة teams، تطبيقات الواتساب zoom .. الخ (.
فما هو التعليم عن بعد ؟
وما هي سبل إنجاحه ؟
وما هي إيجابياته وسلبياته ؟
“التعليم عن بعد” ليس حديث عهد بقطاع التعليم وإنما عُرف منذ عقود خلت، حيث اعتمدته مجموعة من الجامعات آنذاك حسب الإمكانات والطرق والوسائل المتوفرة ساعتها، فكان التعليم عن طريق المراسلات البريدية ثم تطور باعتماد التلفاز والراديو … الخ، ومع عصر التطور التكنولوجي الذي نعيشه ووجود الانترنيت وصل التعليم عن بعد حد تطوره باعتماده وسائل جد حديثة كاللوحات الإلكترونية والحواسيب والهواتف الذكية.
فـ “التعليم عن بعد” هو إحدى الطرق الحديثة للتعليم اليوم، والتي تعتمد على وجود المتعلمين أي “المستقبل” في مكان يبعد عن مصدر المعلومة أي “المرسل” الذي قد يكون هو المعلم أو الكتاب. وهو تعليم يعتمد بشكل كبير الآن على الاتصال بشبكة الإنترنيت أي نقل برنامج تعليمي من موضعه في حرم مؤسسة تعليمية ما إلى أماكن متفرقة جغرافيا باستخدام وسائل حديثة من لوحات إلكترونية وقنوات تلفزية ومواقع التواصل المتاحة (واتساب، فايسبوك …الخ(.
سبل وشروط إنجاح التعليم عن بعد :
ولإنجاح العملية التعليمية عن بعد وجعلها تمر في ظروف مثالية، تخلق جوا من المتعة والايجابية كتجربة فريدة فُرضت اليوم كحل مُلزم أمام أزمة كورونا، يقتضي توفُر مجموعة من السبل والشروط على سبيل المثال لا على الحصر كالتالي :
أولا : انطلاق حصة الدرس قبل أن ينشغل المتعلم باللعب أو مشاهدة الرسوم المتحركة أو الأكل، وأيضا قبل أن ينشغل المعلم ببعض الأمور الحياتية اليومية كإعداد الطعام والتبضع وغيرها.
ثانيا : التخلص من مصادر التشويش؛ الابتعاد عن الضوضاء داخل المنزل، فيجب توفير مكان مخصص للدراسة والابتعاد عن المكان الذي تجتمع فيه العائلة لأن ذلك سيتسبب في شتات ذهن المتعلم.
ثالثا : التأكد من أن جميع عناصر الدرس جاهزة؛ بدءا من المادة التحضيرية وحضور المتعلم الذي هو محور هذه العملية، إلى إعداد المعلم الصور والفيديوهات والرسوم الشارحة للدرس تيسيرا وتبسيطا للعملية التعليمية، مع الحرص على جودتها، لأن وجود صور غير واضحة وفيديوهات ذات حمولة عالية كفيل بجعل عملية متابعة المتعلم للدرس صعبة تبوء بالفشل. وعلى المتعلم تجهيز أدواته والاستعداد القبلي للدرس.
رابعا : إعداد استراتيجية مسبقة للدرس، ضبطا للوقت وبعيدا عن أي أسلوب ارتجالي يحيد عن تحقيق أهداف الدرس، حتى يشعر المتعلم بالارتياح ويركز على المهمة المطلوب منه انجازها.
خامسا : اعتماد أساليب التحفيز والتشجيع؛ لمساعدة المتعلم على المشاركة الفعالة، وتحقيق حاجياته النفسية من أمن وتقدير واهتمام، ورفعا من قابليته للتعلم، وتوطيدا لعلاقته بالمعلم. والأخذ بعين الاعتبار في عملية التدريس نظرية الذكاءات المتعددة ومهارات تعامل المتعلمين مع الأجهزة الإلكترونية.
إيجابيات التعليم عن بعد :
إن العميلة التعليمية عن بعد لها ما لها من إيجابيات، وعليها ما عليها من سلبيات، فإيجابياتها تتلخص في ما يلي :
1_ توفير الوقت والجهد؛ فقد كان المتعلم والمعلم يتنقلان خلال أوقات الدوام اليومية من مقر السكن إلى المدرسة، ومن المدرسة إلى مقر السكن. وباعتماد تقنيات التعليم عن بعد تم توفير ذلك الزمن والجهد البدني المستهلك في الذهاب والإياب.
2_ إمكانية تخزين المادة العلمية عبر التطبيقات المعتمدة في التدريس، كتطبيق الواتساب أو منصة Teamsإلى غير ذلك من وسائل التعليم عن بعد. بحيث يستطيع المتعلم مراجعة دروسه بكل أريحية حتى بعد انتهاء الحصة أو تسجيل ملاحظاته عن طريق إيقاف وإعادة تشغيل الفيديوهات والتسجيلات الصوتية، ومتابعتها من جديد.
3_ إمكانية إيقاف حصة الدرس للإستراحة والمتابعة بين الفينة والأخرى (للعب أو لتناول وجبة ما، وممارسة نشاط رياضي … الخ).
4_ تفعيل دور آباء وأولياء أمور المتعلمين في استمرارية العملية التعليمية التربوية وذلك من خلال متابعتهم للعملية التعليمية عن قرب، حيث أصبحوا يعيشون أحداث التدريس اليومية ويعاينون ذلك بصفة مباشرة من بيوتهم مع أبنائهم، الشيء الذي ساهم إلى حد كبير في توطيد علاقة الآباء بأبنائهم.
5_ التعامل مع الأجهزة الإلكترونية بإيجابية أكثر والتعرف على فوائد التكنولوجيا الحديثة.
6_ إتقان مهارات التواصل عبر مواقع التواصل، كإتقان المتعلم للإجابة باللغة العربية كتابة وعبر التسجيلات الصوتية … مما سهل سرعة التواصل والتفاعل ما بين المعلم والمتعلمين.
7_ اكتساب مهارة التعلم الذاتي؛ فقد أصبح المتعلم يصل إلى المعلومة بنفسه من خلال بحثه عن المعرفة واكتسابها من خلال محرك البحث جوجل مثلا.
8_ تقليل أحداث الشجار والخصام والتنمر الشائعة بين التلاميذ.
9_ تنوع مشارب التعليم عن بعد, من منصات تعليمية وقنوات تلفزيونية ومواقع للتواصل الاجتماعي … إلخ.
سلبيات التعليم عن بعد
في حين أن سلبيات التعليم عن بعد تتمثل فيما يلي :
_1 أدى اعتماد التعليم عن بعد في الآونة الآخيرة إلى إقبال المؤسسات التعليمية عليه بشكل كبير، نتج عنه ضغط كبير على التطبيقات والمنصات المعتمدة مما أثر على جودة العملية التعليمية.
2_ فقدان التفاعل الحي ما بين المعلم والمتعلم لغياب التواجد الحضوري المباشر، مما عطل لدى المتعلم بعض المهارات مثل مهارة لغة الجسد.
3_ ظهور إشكالية مدى مصداقية إجابات المتعلم, فكثيرا ما يتدخل الآباء في تعديل الإجابات لأبنائهم، ليظهروا في صورة نموذجية أمام أقرانهم.
4_ ضعف صبيب الانترنيت خاصة في العالم القروي، ومعدومية امتلاك بعض الآباء للهواتف الذكية، أو التلفاز أو الحواسيب أو غيرها من الأجهزة الالكترونية.
5_ امتناع بعض الآباء عن منح الهواتف الذكية للأبناء، بحجة ما تحوي من خصوصياتهم؛ كالصور العائلية والملفات الخاصة أو إحداث إزعاج للأقارب والمعارف.
6_ عدم مواظبة بعض الأساتذة على الحصص اليومية أو عدم التزامهم بالزمن التعلمي اليومي بدعوى أنها عملية اختيارية.
7 _ الآثار الصحية السلبية أيضا تدخل ضمن سلبيات التعليم عن بعد؛ فالأشعة المنبعثة من الأجهزة الالكترونية تسبب آثارا جانبية سلبية كبيرة على صحة المتعلم، خصوصا على مستوى العين بحكم الإضاءة القوية المنبعثة منها وقرب مسافتها من العين تسبب مشاكل خطيرة للنظر على وجه خاص الهاتف الذكي. هذا دون تجاهل خطورة وضعية الجلوس الخاطئة لغالب الأطفال وانحناء الرقبة الذي يؤدي مع توالي الأيام إلى اعوجاج في العمود الفقري أو الانزلاق الغضروفي, كما أن أقصى مدة زمنية يمكن للطفل ما دون 5 سنوات استعمال الهاتف فيها هي ساعة واحدة, وذلك حسب تقرير منظمة الصحة العالمية، ويستنتج من هذا التقرير ضروة تقليل عدد ساعات استعماله للأطفال الذين يفوق سنهم 5 سنوات.
ولعلنا بعد هذا العرض البسيط المنبثق من تجربتنا المتواضعة، بحكم عملنا في مجال التعليم نصل إلى خلاصة مهمة يتجلى فيها رأينا الخاص مفادها أن نتائج هذه العملية رهين بكفاءة الأستاذ وعلاقته بالمتعلمين ومدى قابليته لأداء مهمته بضمير مهني يقظ يسعى للرقي بالعملية التعليمية والرفع من مردوديتها، وعموما فرسالية الأستاذ هي الضابط في العملية التعليمية، مع التأكيد على إلزامية توفير الظروف الإيجابية المساعدة له على المزيد من العطاء والإبداع في العطاء, كما نؤكد على أن تجربة التعليم عن بعد قابلة للتعديل وتقويم عيوبها كوسيلة مساعدة على تطوير طرق التدريس وليست بديلة عن التعليم الحضوري. وبهذا نقر أن التعليم الحضوري ضروري بحكم توافر كل معطيات نجاح العملية التعليمة فيه.

Share this:

  • Related Posts

    القضاء يدين مبديع بـ 13 سنة سجنا نافذا في ملف تبديد أموال عمومية

    في واحدة من أكثر القضايا التي تابعتها الأوساط السياسية والقضائية باهتمام واسع، أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء الستار على ملف الرئيس السابق لجماعة الفقيه بنصالح، محمد مبديع،…

    “تاني يا قلبي”.. عمل جديد يضع يسرى الدردابي في الواجهة

    إصدار جديد يعزز المسار الفني   أفادت معطيات فنية بأن الفنانة الشابة يسرى الدردابي أطلقت، مساء أمس، عملها الغنائي الجديد بعنوان “تاني يا قلبي”، في خطوة فنية تعكس تطور تجربتها…

    أضف تعليقاً

    لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *