ذ. جواد الداوي – محام بهيئة فاس
بعد جملة من الأبحاث التاريخية حول انظمة الحكم والمقارنة بين القوانين خلص الفيلسوف الفرنسي “بمونتسكيو”( 1689- 1755م) من خلال مؤلفه الشهير “روح القوانين” De l’esprit des lois إلى أن مفهوم الدولة الحديثة لا يستقيم إلا عبر دستور مدني وضعي يبتدعه العقل الانساني بحيث يتلاءم مع الظرفيتين المكانية والزمانية للدولة، ونظام حكم ديمقراطي يستمد شرعيته المباشرة من الشعب و يتكون من ثلاث سلط رئيسية هي: السلطة تشريعية مهمتها تنحصر فقط في تشريع القوانين وسلطة تنفيذية تسهر على تنفيذ القوانين التي شرعتها السلطة التشريعية، ثم سلطة قضائية هي المسؤولة هن فض الخصومات والمنازعات بين الاشخاص ذاتيون كانوا أم معنويون.
إلا ان فيلسوف عصر الأنوار يرى انه وتفاديا لتمركز جميع هذه السلط في يد حاكم واحد يستغلها استغلالا تعسفيا فلابد من ” مبدأ فصل السلط”، بحيث تستقل كل سلطة بذاتها وتمارس مهامها بمعزل عن السلطتين الأخريين.
لكن مونتيسكيو رأى ان اعتماد مبدأ فصل السلط لوحده سيكون دون قيمة فعلية ولن يأتي غايته في غياب سلطة نقدية تراقب وتصحح جنوحه، انها في رأيه “السلطة الرابعة” التي يجب ان تمارس الرقابة العقلانية والنقد المنهجي بهدف انتظام وسير عمل السلطات الثلاث وبذلك تتحقق ضمانة ونزاهة وحسن عمل المسؤولين القائمين عليه، إنها اقلام الصحفيين و”الصحافة” بوجه عام الموكولة اليهم مهمة ممارسة السلطة الرابعة.
لقد كان لمشروع مونتيسكيو الذي نُشِر سنة 1748م دورا مهما باعتباره منهجا فعالا سارت على دروبه مجتمعات كثيرة بغية الوصول الى بناء الدولة الحديثة خصوصا في أوروبا بعد عصر الأنوار، اذ ارتأت من جعل فصل السلط على الشكل الذي طرحه صاحب روح القوانين مبدأ ساميا وركيزة اساسية مع الاخذ بعين الاعتبار ما للسلطة الرابعة من اهمية وما ينبغي ان تتمتع به هذه الاخير من مجال واسع في لاشتغالها ولتتحقق غاياتها.
بيد أن مونتيسكيو وهو في طور العمل على مشروعه واثناء انكبابه على تحضير عمله المنير لم يكن يعلم، وهو الذي عاش في زمان كانت وسائل الاعلام محدودة جدا ان لم نقل شبه معدومة، أن وسائل التواصل سيحصل لها من التطور ما نشهده حاليا، فلم يكن في وقته تلفاز ولا مذياع بل ان الجرائد كان انتشارها محدودا يجدا وليس بالشكل الذي يجعلها مؤثرة وهي تمارس مهامها باعتبارها جهاز من اجهزة السلطة رابعة.
نحن الآن في وقت تنتشر فيه المعلومة بشكل اسرع من انتشار النار في الهشيم، وأصبح للأنترنت دورا فعالا ومؤثرا، كما اضحى لوسائل التواصل الاجتماعي تأثيرا قويا على جميع السلط لدرجة يمكن ان نصفها بسلطة “خامسة” تنضاف الى السلط الأربعة التي اقرها مونتيسكيو في مؤلفه بل ان تأثيرها- اي وسائل التواصل الاجتماعي- اقوى نظرا لسلاسة التعامل معها من طرف المرتادين ولكونها في متناول جميع المواطنين باختلاف سنهم وجنسهم واعمارهم وحتى مستواهم الثقافي.
لقد كان لوسائل التواصل الاجتماعي دور كبير في إحراج السلطات وفضح الممارسات لدرجة ان الحكومات باتت تحسب لها الف حساب، ولعل ابرز مثال هو ان تطرح حكومتنا للنقاش مشروع قانون 20-22 المتعلق باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي في سرية وتكتم وفي ظرفية اعتقدت فيها بانشغال عموم المواطنين مع وباء كورونا.
مشروع القانون الذي كانت تهدف الحكومة من خلاله الى تكبيل الحرية التي يتمتع بها مرتادو وسائل التواصل الاجتماعي والحد منها عن طريق عقوبات زجرية قاسية تتضمنها بنوده، متجاوزة بذلك كل الاتفاقيات الدولية الحاثة على احترام حرية التعبير والراي وعلى راسها الاعلان العالمي لحقوق الانسان بل متجاوزة ايضا الدستور المغربي.
ويظهر حجم تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لدرجة يصح لنا ان ننعته فيها، على منهج مونتسكيو، “بالسلطة الخامسة” نظرا للدور الفعال قام ويقوم به روادها من خلال رد فعل مقابل حيث عبروا عن رفضهم المطلق لمشروع قانون يحد من حرية الراي والتعبير اثناء استعمال وسائل التواصل الاجتماعي وهو الشي الذي جعل السلطة التنفيذية تقف عاجزة ضد ضغوطات مستعملي وسائل التواصل الاجتماعي، ولم تجد من مسلك لحفظ هيبتها سوي التصريح بوقف المناقشة مؤقتا إلى ما بعد حالة الطوارئ الصحية وعودة الحياة الى طبيعتها بعد تعديله وعرضه على باقي الاطارات، الا ان أصوات حقوقية وشعبية لازالت تنادي بسحبه نهائيا من رفوف وزارة العدل، مستعملة في تمرير صوتها دائما على وسائل التواصل الاجتماعي.
نعم أصبح جليا حجم التأثير الذي ما فتئت تمارسه وسائل التواصل الاجتماعي وأهميته في قلب موازين القوى والحساب الذي بات يحسب لها حتى انها اضحت تشكل وسيلة من وسائل الضغط المؤثرة بل يمكن اعتبارها سلطة قائمة بذاتها نابعة من عموم الشعب يتعين اخذها بعين الاعتبار عوض الوقوف منها موقف ازدراء وتجاهل. وكل رغبة من الحكومة الى تقنينها يجب ان تراعي فيها مصلحة الشعب لا ان تحصرها في حفظ المصلحة الضيقة لجهات محددة ولو على حساب مصلحة العموم، على شاكلة مشروع قانون 20-22، بل إن ما ينبغي الالتفات اليه عوض ذلك هو العمل على احداث تشريع يحد من انتشار الاشاعات الزائفة والأخبار الكاذبة والمغرضة وتلك الداعية الى المس بسلامة الاشخاص، دون ان تمس يد التقنين حرية التعبير والرأي البريئة التي اقرتها جل التشريعات الكونية.





