الكاتب و المحلل السياسي الرحالي عبد الغفور
في المغرب، تلعب الصحافة دورًا محوريًا في تشكيل الرأي العام والتأثير على أداء الحكومات، غير أن هذا الدور لا يخلو من انحرافات تجعلها أحيانًا تنزلق نحو التنمر السياسي، فتتحول من سلطة رابعة إلى أداة للضغط والتشهير، سواء عبر حملات التشويه الممنهجة، التضليل الإعلامي، أو استخدام خطاب تهكمي يستهدف شخصيات سياسية بعينها. هذا الواقع يفرز علاقة معقدة بين الإعلام والسلطة، حيث يجد الفاعلون السياسيون أنفسهم في مواجهة دائمة مع منابر لا تكتفي بالنقد الموضوعي، بل تسعى أحيانًا إلى تصفية الحسابات أو توجيه الرأي العام وفق أجندات خفية.
التمييز بين النقد المشروع والتشهير الممنهج أمر بالغ الأهمية، فالصحافة التي تلتزم بأخلاقيات المهنة تساهم في تعزيز الشفافية والمساءلة، بينما تلك التي تنخرط في منطق الإثارة والتضليل تضعف الثقة في المؤسسات وتشوش على الرأي العام، مما يجعل المواطن عالقًا بين سرديات متناقضة، يصعب فيها التمييز بين الحقيقة والتلاعب الإعلامي. إن استهداف المسؤولين عبر حملات مركزة منذ تعيينهم أو تضخيم قضايا هامشية وتحويلها إلى معارك سياسية مصطنعة، لا يخدم المصلحة العامة، بل يخلق بيئة من التردد والارتباك داخل دوائر صنع القرار، حيث يصبح الوزراء والمسؤولون أكثر انشغالًا بتدبير صورتهم الإعلامية بدل التركيز على مهامهم الأساسية.
التنمر السياسي في المشهد المغربي ليس مجرد انعكاس لتطور الإعلام الرقمي وحرية التعبير، بل هو في أحيان كثيرة أداة لتوجيه النقاش العام بعيدًا عن القضايا الجوهرية. وإذا كانت بعض مظاهره تساهم في كشف مكامن الخلل ودفع الحكومة إلى تصحيح مساراتها، فإن الإفراط في استخدامه يضر بالممارسة السياسية ويشجع على الشعبوية، حيث يجد بعض السياسيين أنفسهم مضطرين إلى مجاراة منطق الإثارة الإعلامية بدل الانكباب على تقديم الحلول.
إن تقوية المشهد الإعلامي المغربي تقتضي إعادة الاعتبار لأخلاقيات المهنة وتعزيز الوعي الإعلامي لدى المواطن، حتى لا يكون فريسة سهلة للدعاية والتضليل. كما أن تطوير استراتيجيات التواصل الحكومي أضحى ضرورة ملحة لتفادي الفراغات التي تستغلها بعض المنابر لترويج خطاب التشكيك والتأليب. وبين حرية الصحافة ومسؤولية الكلمة، يظل الرهان الأكبر هو تحقيق التوازن بين الرقابة الإعلامية الفعالة واستقرار المؤسسات، حتى لا تتحول الممارسة السياسية إلى حلبة مفتوحة للتنمر والتصفية الإعلامية، بدل أن تكون ساحة للنقاش الرصين وصناعة القرار الرشيد.
إن إشكالية التنمر السياسي في المغرب لا يمكن فصلها عن التطورات التي شهدها المشهد الإعلامي في السنوات الأخيرة، حيث أضحت وسائل التواصل الاجتماعي فضاءً موازياً للصحافة التقليدية، لكنها في كثير من الأحيان تفتقد لأبسط معايير التحقق والمهنية، مما جعل بعض الحملات الإعلامية تأخذ طابعًا فوضويًا، تغيب فيه الموضوعية وتتحكم فيه العواطف والانطباعات الشخصية. في هذا السياق، يصبح الضغط الإعلامي أداة لتصفية الحسابات أكثر منه وسيلة لمساءلة السياسات العمومية، وهو ما يفتح المجال أمام تآكل الثقة بين المواطن والفاعلين السياسيين، بل ويؤدي أحيانًا إلى توجس المسؤولين من التواصل المباشر خوفًا من الوقوع في فخ التحريف أو الاجتزاء.
وإذا كان الإعلام في الديمقراطيات الراسخة يلعب دورًا حاسمًا في تقويم الأداء الحكومي وكشف الاختلالات، فإن انحرافه نحو الإثارة والتضليل يفرغ دوره من مضمونه الإصلاحي، بل قد يتحول إلى عائق أمام أي محاولة جادة للإصلاح، حين تصبح بعض الأطراف أكثر حرصًا على إدارة صورتها الإعلامية بدل التركيز على النتائج الفعلية لسياساتها. هذه الدينامية تخلق مناخًا من التوجس والتردد، حيث يصبح صناع القرار أكثر انشغالًا بردود الفعل الآنية بدل الاشتغال على رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وهو ما ينعكس سلبًا على جودة الأداء الحكومي وعلى مستوى الثقة في المؤسسات.
إن التطور السريع للمشهد الإعلامي يفرض على الحكومة تطوير آليات تواصل أكثر شفافية ونجاعة، حتى لا تظل رهينة لردود الأفعال المتسرعة أو الحملات الموسمية التي تستهدف شخصيات معينة دون غيرها. كما أن على الفاعلين السياسيين أن يدركوا أن التعامل مع الضغط الإعلامي لا يكون بالمواجهة أو الإنكار، بل ببناء خطاب عقلاني قائم على الأرقام والحقائق، بعيدًا عن المزايدات أو الاستجابة العاطفية التي قد تغذي موجة التنمر بدل احتوائها. في المقابل، يظل الإعلاميون أنفسهم أمام مسؤولية أخلاقية ومهنية، تفرض عليهم التمييز بين النقد الهادف والتهجم غير المبرر، لأن إعلامًا قويًا ونزيهًا هو في مصلحة الجميع، أما إعلام الإثارة والتشهير، فلا يضر فقط بسمعة الأفراد والمؤسسات، بل يهدم أسس الثقة التي بدونها لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح.
إن المغرب أمام تحدٍ كبير لتحقيق توازن دقيق بين حرية التعبير وصيانة كرامة الفاعلين السياسيين، بين دور الإعلام كسلطة رقابة وحاجته إلى الالتزام بالمعايير المهنية، وبين حق المواطن في الوصول إلى المعلومة وضرورة حمايته من التضليل والاستغلال السياسي. وعليه، فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن ينطلق من إعادة تعريف العلاقة بين الصحافة والسياسة، بحيث لا تكون الأولى أداة للتنمر، ولا تتحول الثانية إلى ساحة مفتوحة لحروب إعلامية لا تنتهي، بل يكون الهدف المشترك هو خدمة الصالح العام، بعيدًا عن منطق الاستقطاب والإثارة الذي يضر أكثر مما ينفع.






