Home / ثقافة و فنون / الحُمْس في الجاهلية

الحُمْس في الجاهلية

 منصور جبر – أخبار المملكة 

من أحداث الحج الشهيرة التي ذكرتها كتب التاريخ ما كان من أمر الحُمْس الذي أحدثته العرب في الجاهلية.

وَالتّحَمّسُ يُراد به هنا: التّشَدّدُ.

وَكَانُوا قَدْ ذَهَبُوا فِي ذَلِكَ مَذْهَبَ التّزَهّدِ وَالتّأَلّهِ، فابتدعوا في الحج أمورا تخص قريشا.

وَكَانَتْ نِسَاؤُهُمْ لَا يَنْسِجْنَ الشّعْرَ وَلَا الْوَبَرَ وَكَانُوا لَا يَسْلَئُونَ السّمْنَ.

وَسَلءُ السّمْنَ أَنْ يُطْبَخَ الزّبْدُ حَتّى يَصِيرَ سَمْنًا. وغيرها من الأمور.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَتْ قُرَيْشٌ –لَا أَدْرِي أَقَبْلَ عَامِ الْفِيلِ أَمْ بَعْدَهُ– ابْتَدَعَتْ رَأْيَ الْحُمْسِ رَأْيًا رَأَوْهُ وَأَدَارُوهُ فَقَالُوا:
نَحْنُ بَنُو إبْرَاهِيمَ وَأَهْلُ الْحُرْمَةِ وَوُلَاةُ الْبَيْتِ، وَقُطّانُ مَكّةَ وَسَاكِنُهَا، فَلَيْسَ لِأَحَدِ مِنْ الْعَرَبِ مِثْلُ حَقّنَا، وَلَا مِثْلُ مَنْزِلَتِنَا، وَلَا تَعْرِفُ لَهُ الْعَرَبُ مِثْلَ مَا تَعْرِفُ لَنَا،
فَلَا تُعَظّمُوا شَيْئًا مِنْ الْحِلّ كَمَا تُعَظّمُونَ الْحَرَمَ، فَإِنّكُمْ إنْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ اسْتَخَفّتْ الْعَرَبُ بِحُرْمَتِكُمْ وَقَالُوا: قَدْ عَظّمُوا مِنْ الْحِلّ مِثْلَ مَا عَظّمُوا مِنْ الْحَرَمِ.

فَتَرَكُوا الْوُقُوفَ عَلَى عَرَفَةَ وَالْإِفَاضَةُ مِنْهَا، وَهُمْ يَعْرِفُونَ وَيُقِرّونَ أَنّهَا مِنْ الْمَشَاعِرِ وَالْحَجّ وَدِينِ إبْرَاهِيمَ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ– وَيَرَوْنَ لِسَائِرِ الْعَرَبِ أَنْ يُفِيضُوا مِنْهَا، إلّا أَنّهُمْ قَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ، فَلَيْسَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَخْرُجَ مِنْ الْحُرْمَةِ وَلَا نُعَظّمَ غَيْرَهَا، كَمَا نُعَظّمُهَا،
نَحْنُ الْحُمْسُ وَالْحُمْسُ أَهْلُ الْحَرَمِ، ثُمّ جَعَلُوا لِمَنْ وُلِدُوا مِنْ الْعَرَبِ مِنْ سَاكِنِ الْحِلّ وَالْحَرَمِ مِثْلَ الّذِي لَهُمْ بِوِلَادَتِهِمْ إيّاهُمْ يَحِلّ لَهُمْ مَا يَحِلّ لَهُمْ وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا يحرم عَلَيْهِم.

وَكَانَتْ كِنَانَةُ وَخُزَاعَةُ قَدْ دَخَلُوا مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ.

ثم زادت العرب في الحُمس أشياء.

قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ ابْتَدَعُوا فِي ذَلِكَ أُمُورًا لَمْ تَكُنْ لَهُمْ، حَتَّى قَالُوا: لَا يَنْبَغِي لِلْحُمْسِ أَنْ يَأْتَقِطُوا الْأَقِطَ –وهو اللبن المحمَّض الذي يُجمّد حتى يَسْتَحْجِرْ ويُطبخ-، وَلَا يَسْلَئُوا السَّمْنَ وَهُمْ حُرُمٌ أي لا يطبخوا السمن-، وَلَا يَدْخُلُوا بَيْتًا مِنْ شَعَرٍ، وَلَا يَسْتَظِلُّوا إنْ اسْتَظَلُّوا إلَّا فِي بُيُوتِ الْأَدَمِ مَا كَانُوا حُرُمًا –وهي الأخبية التي تُصنع من الجِلد-، ثُمَّ رَفَعُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا:
لَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْحِلِّ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ طَعَامٍ جَاءُوا بِهِ مَعَهُمْ مِنْ الْحِلِّ إلَى الْحَرَمِ، إذَا جَاءُوا حُجَّاجًا أَوْ عُمَّارًا، وَلَا يَطُوفُوا بِالْبَيْتِ إذَا قَدِمُوا أَوَّلَ طَوَافِهِمْ إلَّا فِي ثِيَابِ الْحُمْسِ، فَإِن لَمْ يَجِدُوا مِنْهَا شَيْئًا طَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً، فَإِنْ تَكَرَّمَ مِنْهُمْ مُتَكَرِّمٌ مِنْ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ، وَلَمْ يَجِدْ ثِيَابَ الْحُمْسِ، فَطَافَ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مِنْ الْحِلِّ، أَلْقَاهَا إذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ، ثُمَّ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا، وَلَمْ يَمَسَّهَا هُوَ، وَلَا أَحَدٌ غَيْرُهُ أَبَدًا.

وكَانَتْ الْعَرَبُ تُسَمِّي تِلْكَ الثِّيَابَ اللَّقَى. فَحَمَلُوا عَلَى ذَلِكَ الْعَرَبَ، فَدَانَتْ بِهِ.

وَوَقَفُوا عَلَى عرفَاتٍ، وَأَفَاضُوا مِنْهَا، وَطَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً: أَمَّا الرِّجَالُ فَيَطُوفُونَ عُرَاةً، وأمّا النِّسَاء فَتَضَعُ إحْدَاهُنَّ ثِيَابَهَا كُلَّهَا إلَّا دِرْعًا مُفَرَّجًا عَلَيْهَا –وهو الدِّرع المشقوق من الأمام أو الخَلف-، ثُمَّ تَطُوفُ فِيهِ.

وَمَنْ طَافَ مِنْهُمْ فِي ثِيَابِهِ الّتِي جَاءَ فِيهَا مِنْ الْحِلّ أَلْقَاهَا، فَلَمْ يَنْتَفِعْ بِهَا هُوَ وَلَا غَيْرُهُ.

فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتّى بَعَثَ اللهُ تَعَالَى مُحَمّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَ اللهُ تَعَالَى أَمْرَ الْحُمْسِ وَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ ابْتَدَعَتْ مِنْهُ عَنْ النّاسِ بِالْإِسْلَامِ.

أخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْها قالَتْ: كانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وكانُوا يُسَمُّونَ الحِمْسُ، وكانَتْ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ صَلّى اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنْ يَأْتِيَ عَرَفاتٍ ثُمَّ يَقِفُ بِها ثُمَّ يَفِيضُ مِنها، فَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا مِن حَیثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱستَغفِرُوا ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُور رَّحِیم﴾ [البقرة ١٩٩]

وجاء في تفسير الماوردي: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها نَزَلَتْ في قُرَيْشٍ، وكانُوا يُسَمَّوْنَ الحُمْسَ، لا يَخْرُجُونَ مِنَ الحَرَمِ في حَجِّهِمْ، ويَقِفُونَ بِمُزْدَلِفَةَ، ويَقُولُونَ: نَحْنُ مِن أهْلِ اللَّهِ، فَلا نَخْرُجُ مِن حَرَمِ اللَّهِ، وكانَ سائِرُ العَرَبِ يَقِفُونَ بِعَرَفاتٍ، وهي مَوْقِفُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ،
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ يَعْنِي جَمِيعَ العَرَبِ، وهَذا قَوْلُ عائِشَةَ، وعُرْوَةَ، ومُجاهِدٍ، وقَتادَةَ.

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّها أمْرٌ لِجَمِيعِ الخَلْقِ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، أنْ يُفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ، يَعْنِي بِالنّاسِ إبْراهِيمَ.

وهكذا صرف الله الناس عن ابتداع شرائع لم تكن في دين الله، وأرشدهم إلى أداء مناسك الحج بالحنيفية السمحة التي جاء بها إبراهيم الخليل عليه صلوات الله وسلامه وأتمها برسالة الإسلام الخالدة التي جاء بها سيد الرسل محمد صلى الله عليه وسلم.

Share this:

About akhbarmamlaka

Check Also

طنجة.. العربي غجو يوقع ترجمته لرواية “طانجيرينا”

 أقام منتدى الفكر والثقافة والإبداع بتعاون مع المديرية الجهوية لوزارة الثقافة بطنجة أمس الجمعة، حفل …

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *